المشاهدات : 428 التاريخ : 29-03-2018 01:59:26

غالبية التونسيين بلا حياة اجتماعية

غالبية التونسيين بلا حياة اجتماعية

عمان1:يغادر الزوجان وسام الشرفي وهدى بلغيث منزلهما يوميا في حدود الساعة السابعة صباحا وبعد أن يسلمان طفليهما إلى المروضة يتوجهان إلى عملهما بأحد البنوك وسط العاصمة تونس ولا يعودان إلى المنزل إلا في حدود الساعة السادسة مساء بعد أن أنهكتهم نحو 8 ساعات من الدوام وضغوط العمل وزحمة السير.

يتوجه الزوجان مباشرة إلى المطبخ لإعداد العشاء فيما ينكب طفليهما على إعداد الدروس في مجتمع كثيرا ما يراهن على التعليم للارتقاء الاجتماعي، وفي حدود الساعة الثامنة تتحلق الأسرة الصغيرة حول الطاولة ثم يلقي كل منهم بجسده على أريكة للاسترخاء ومشاهدة المنوعات التلفزيونية أو استغلال مواقع التواصل الاجتماعي.

ومع الساعة الحادية عشر تكون أسرة الشرفي قد استنزفت كل جهدها لتخلد إلى النوم وتستيقظ على رنين الهاتف النقال لتبدأ رحلة مشاق يوم جديد قديم.

وتعد عائلة الشرفي عينة لغالبية الأسر التونسية وخاصة الأسر الحديثة إذ تستنزف منها ساعات الدوام التي تفرضها مؤسسات القطاع العام والخاص كامل اليوم ولا تجد من الوقت ما تخصصه لا للترفيه ولا للسهرات العائلية ولا للحياة الاجتماعية.

وفي ظل الغوط اليومية عادة ما تكتفي غالبية الاسر بالتواصل مع الأقرباء والأصدقاء إما عبر الهواف الجوالة أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي "الفايس بوك".

وتقول هدى بلغيث "أخصص كل وقتي للعمل وللاعتناء بالمنزل، أما عائلتي فإني لا أزورهم إلا مرة في الشهر ومرة أخرى في الشهرين" مضيفة تقول "ليس لي علاقات صداقة كثيرة، لي صديقة واحدة ولا ألتقي معها سوى مرة واحة في الأسبوع".

وتشدد بلغيث تقول "ليس لنا الوقت لقضاء السهرات خارج البيت بل ليس لنا حتى الجهد، بعد 8 ساعات من العمل والإرهاق يفقد المرء أي رغبة في مزيد الاستنزاف من الجهد والوقت".

وتكاد الأحياء الراقية التي تسكنها عادة الأسر الحديثة تخلو من أي مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية أو حتى العلاقات بين الجيران حتى أنهم عادة ما يكتفون بتحية بعضهم بعضا عن بعد فيما يشبه مسافة فاصلة بين أي شكل من أشكال العلاقات.

وتبدو الأحياء المتوسطة والشعبية أقل توجسا من العلاقات الاجتماعية إذ تساعد قسوة الأوضاع الأهالي على مساعدة بعضهم البعض للتخفيف من الشعور بالحيف.

ويرى حمدي الشريف الأخصائي في علم الاجتماع والأستاذ بالجامعة التونسية أن "المقارنة بين المجتمع التونسي والمجتمعات العربية الأخرى تظهر أن التونسيون يكادون يفتقدون إلى حياة اجتماعية هي ضرورة للتوازن النفسي والاجتماعي".

ويضيف الشريف " إن إحدى أهم الظاهر خطورة في المجتمع التونسي هي ظاهرة الفردانية سواء بمعناها الفردي أو بمعناها الأسري إذ مزقت الظاهرة الروابط الاجتماعية التقليدية".

ومما يعمق خطورة ظاهرة الفردانية أنها اكتسحت الأسرة الواحدة وخاصة الشباب الذي بات لا يولي لعلاقات القرابة بما فيها العلاقة بالأبوين الاهتمام اللازم ليقضي أوقات الفراغ إما معية الأصدقاء أو جاحظ العينين في شاشة الهاتف الجوال.

ويقول وسام الشرفي بشيء من المرارة "نعيش مع ابني الإثنين تحت سقف واحد ولكننا بالكاد نجلس معا مرة في الأسبوع" مضيفا "كلما دخلنا المنزل مساء دخل كل واحد منهما إلى بيته وأغلق الباب ليقضي السهرة مستخدما الهاتف الجوال".

ويقر الشرفي الذي ينحدر من عائلة أرستقراطية قدمت من مدينة صفاقس إلى تونس العاصمة بأن "غياب الحياة الاجتماعية ومحدودية العلاقات العامة كانت لها تأثيرات سلبية على نفسية الفرد الذي بات يشعر بالاغتراب حتى في منزله".

ويرى الأخصائيون الاجتماعيون أن ظاهرة غياب الحياة الاجتماعية هي نتيجة التحولات التي شهدها المجتمع التونسي وفي مقدمتها نشأة الأسرة النووية، الصغيرة، وهي أسرة مثقفة ثقافة حديثة تتبنى مفهوم فردانية الحياة وتستخف بنسيج العلاقات القديمة.

وهم يرون في نفس الوقت أن دوام ساعات العمل المرهقة وتدهور المقدرة الشرائية وغلاء الأسعار كلها عوامل ساهمت في تجريد التونسيين من حياة اجتماعية عامة.

وفي ظل مثل هذه الضغوط تستغل الأسر عطلة نهاية الأسبوع إما للترفيه من خلال سفرات إلى المدن السياحية أو للقيام بزيارة أقرب الأقرباء.

وألقى غياب الحياة الاجتماعية بتداعياته على الحركية التجارية إذ تقفل المحلات التجارية وحتى المقاهي أبوابها في حدود الساعة الثامنة ليلا لتبدو العاصمة شبه خالية.


     المشاهدات : 428

الإسـم

:

البريد الإلكتروني

:

التعليق

:

 
 
 

تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع ' عمان1 ' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما بـأن التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .