المشاهدات : 137 التاريخ : 12-08-2017 09:33:21

منظمة تحرير لا تُحرِّر.. ولا زعيم سياسياً يُوحِّد الفلسطينيين

منظمة تحرير لا تُحرِّر.. ولا زعيم سياسياً يُوحِّد الفلسطينيين

عمان1:في تقرير جريء حول مصير منظمة التحرير وفتح والسلطة الفلسطينية بالمجمل، قدَّم حسين آغا وأحمد سامح الخالدي قراءةً مفصلة في مجريات الأحداث التي تشهدها الساحة الفلسطينية، والتساؤلات حول الزعامة التي تقود الشعب الفلسطيني إلى المرحلة المقبلة مع إسرائيل، سواء نحو الحرب أو السلام.

وقبل الخوض في تفاصيل المقال لا بد من الإجابة عن سؤال، عمَّن هما آغا وخالدي؟

حسين آغا أكاديمي لبناني مقرَّب من الرئيس محمود عباس، وهو أستاذ محاضر في جامعة أكسفورد ببريطانيا، وقد انخرط في عدة محادثات ومفاوضات حول السلام مع إسرائيل بصورة رسمية وأكاديمية، آخرها في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.

أما أحمد سامح الخالدي، فهو زميل مشارك في كلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد، ورئيس تحرير "مجلة الدراسات الفلسطينية". وقد شارك في أكثر من مفاوضات سلام، وهو كاتب يظهر بصورة متقطعة على صحف عالمية حول شؤون الشرق الأوسط.

مستقبل فتح

وعودة إلى التقرير المفصل، الذي اختارت "هاف بوست عربي" أهم ما جاء فيه، يطرح الكاتبان مصير منظمة التحرير وحركة فتح، في ظل مواجهة العناد الإسرائيلي وانطلاق الفلسطينيين نحو المجهول مع إدارة الرئيس دونالد ترامب في واشنطن، التي وجَّهت مستشارين لإعادة إحياء ما كان، واضعةً صهر ترامب جاريد كوشنر في صدارة المشهد.

هذا عن مشهد المفاوضات، أما المشهد الفلسطيني الداخلي، فلا يبدو برأي الكاتبين جيداً؛ لأن الرئيس محمود عباس (مواليد عام 1935) يمثل حتى هذه اللحظة الاحتمال الأخير للتوصل إلى اتفاق تفاوضي، فهو القائد الوحيد المتبقي ببعض من الشرعية الشعبية، التي تؤهله لتوقيع اتفاق كهذا. ويدرك ترامب حساسية الموقف وأهمية عباس؛ لأن فلسطين ما بعد عباس ستكون غير واضحة، في ظل غياب زعامة فلسطينية حقيقية توحد القطاع والضفة.

ويعتقد الكاتبان أن منظمة التحرير، كما أسسها وقادها الراحل ياسر عرفات، وصلت إلى مراحلها الأخيرة بعد نصف قرن. وبينما تتهالك مؤسساتها وتهرم قياداتها، لا يلوح في الأفق خليفة واضح.

فمنذ اتفاقية أوسلو، وجدت السلطة الفلسطينية نفسها عالقةً بين دورها الثوري، الذي بدأته كقائدة رحلة التحرير الطويلة، وبين مسؤولياتها الجديدة كممثلة للشعب. حاولت السلطة لفترة قصيرة أن تتصالح مع نفسها وتوفّق بين الدورين، لكنها بوفاة عرفات خسرت القائدَ المؤسس لمرحلتها العسكرية.

ومع غياب "الكفاح المسلح" وجدت الحركة الوطنية نفسها بلا أيديولوجية واضحة أو خط سير محدد، فلا الأراضي تحرَّرت كلياً، ولا استطاعت فتح أن تُثبت زعامتها السياسية؛ حيث بقيت عاجزة ومعلقة: منظمة تحرير لا تُحرر، عالقة في مفاوضات لا تُسمن ولا تغني من جوع، وممنوعة من ممارسة الحكم كدولة، إما بسبب إسرائيل أو لقصورها ككيان حاكم.

وقد كشفت وفاة عرفات الانقسامَ المتوغل حتى الجذور، وعرَّت العصبية والعشائرية، وانشغلت الحركة في شؤون البيت الفلسطيني الداخلي.

إنجازات

لكن سنوات عباس الرئيس لم تمر بلا إنجازات كما يرى الخالدي وآغا؛ إذ أدى تمسكه بمفاوضات السلام إلى إنشاء جدار حماية واسع ضد الضغوطات الدولية المرتبطة بالمسار المسلح، ما خلق إحساساً بعدم الارتياح للاحتلال الإسرائيلي دولياً. واعتُبرت السلطة الفلسطينية الكيان المستقبلي لشكل الدولة.

كما أدى تمسك عباس بالمفاوضات إلى نقل الضغط الدولي إلى الطرف الآخر، وبقيت صورته كرجل ساعٍ للسلام، في ظل تخبط إسرائيل في قضايا فساد وانتهاكات هزَّت صورتها أمام العالم كما يرى الكاتبان.

ورغم دربه المختلف بعض الشيء عن سلفه ياسر عرفات، إلا أنه لم يتزحزح عن طلبه بالتمسك بحدود عام 1967 مع القدس عاصمة للدولة الفلسطينية، مع التوصل إلى حل عادل للاجئين. وربما يُحسب له عزل الشعب الفلسطيني عن ثورات الربيع العربي.

 تحديات جديدة

 قد يكون تمسك عباس بدرب السلام عزَّز من صورته العالمية وصوابية قضيته، ولكن بعد 13 عاماً لم يتم تحقيق أي خطوة للأمام في موضوع السلام؛ بل زاد الموقف الإسرائيلي تصلباً، ما فتح الباب أمام تحديات جديدة. منها أن الجناح العسكري في المنظمة على سبيل المثال لا يستطيع أن يؤدي المهام المنوطة بأي كيان عسكري سيادي، لأن مواجهة القوة العسكرية الإسرائيلية أمر شبه مستحيل، الأمر الذي وضع قوات الأمن الفلسطينية في موقف لا تحسد عليه، فباتت وكأنها تخدم المصالح الإسرائيلية عبر الحفاظ على الأمن الداخلي بكلفة بسيطة، مقارنة بالثمن الذي قد تدفعه إسرائيل إن تولَّت هي ملف الأمن في الأراضي الفلسطينية.

ولكن القوات الأمنية للمنظمة لا تستطيع أن تقدم إلا القليل للشعب الذي تمثله، سواء في الداخل أو الخارج. وهنا يُطرح سؤال: هل الفلسطينيون مستعدون للتعامل مع الاحتلال بدون وساطة هذه السلطة الفلسطينية، التي لعبت دوراً كمقاول داخلي للاحتلال لضبط الأمن، مقابل غياب أية عوائد سياسية؟
يعكس يأس الفلسطينيين في التوصل إلى اتفاقية سلام يأسَهم أيضاً في الهيئات الممثلة، التي تسعى وراء هذا السلام. من الفشل في التحرير إلى تلاشي قبضة الحكم بمفاوضات السلام المتعثرة.
ولكن اللوم لا يقع وحده على السلطة وممثليها، فالتدخلات الإقليمية والدولية لعبت دورها في تحييد المسار بطرق غير محمودة. كما أن التيارات القومية والثورية ضد الاستعمار، والتي كانت تحتضن الحراك الفلسطيني لم تعد موجودة في عصرنا هذا، والعديد من حلفاء الأمس اختاروا أن يركزوا على مصالح بلادهم الداخلية الاقتصادية، بدلاً من الاستثمار في الأيديولوجيات، كالهند والصين. كما أن البيئة العربية تغيَّرت، فبعدما كانت فتح تحصل على الدعم التام من الدول العربية مع التمسك بحرية قرارها، وجدت المنظمة نفسها متورطة في اختلافات المصالح المرتبطة باختلاف مصادر التمويل والتوجهات، خصوصاً من دول الخليج.

 ما بعد عباس

 تضع مرحلة ما بعد عباس، وفقاً للكاتبين، الفلسطينيين في مسار مجهول، وذلك لأن بصمة الآباء المؤسسين للحركة الثورية بدأت تتلاشى، فالفلسطينيون في الخارج والشتات لا يملكون سبيلاً للتعبير عن إرادتهم. كما ضيَّق صراع فتح مع حماس فرصَ احتمال ظهور زعامة سياسية قوية، تنطلق من انتخابات تمثل رغبة الشعب الحقيقية.

ومن هنا يستمد عباس قوته، فحتى معارضوه ومنتقدوه سيلتزمون بشروطه، ورغم إمكاناته المحدودة، لكنه قد يكون القيادي الأخير الذي يمتلك السلطة الأخلاقية والشرعية السياسية، للتحدث والعمل نيابة عن الأمة بأسرها.
ولو كانت السلطة المقبلة أقل تمثيلاً للشعب الفلسطيني، فإن أي فرص للتوصل إلى حل مع إسرائيل معرضة للتساؤل. هذا الأمر سيؤثر حتماً على موقف إسرائيل نتنياهو، التي أكدت مراراً وتكراراً أنها لن تتنازل عن سيطرتها العسكرية على الضفة. كما يجد الأميركيون أنفسهم تحت ضغط كبير للتعجيل بالدفع نحو اتفاقية، لن تدعم إطلاقاً الكفة الفلسطينية.
كما أن الاجتماعات الإقليمية الأخيرة في تركيا ومصر وإيران وفرنسا، وضعت منظمة التحرير تحت ضغط للدفاع عن كونها الممثل الشرعي والوحيد.
وبعد 24 عاماً من اتفاقية أوسلو، قد تكون المؤسسة العسكرية أقوى مؤسسة أوجدتها المنظمة، وذلك بدعم من العرب وأميركا ودول أوروبية وحتى إسرائيل. وفي غياب التوازن السياسي والقانوني والمدني، فإن فرص شغور العسكر وفراغ القيادة السياسية أقرب للتحقق.
أما قاعدة فتح الشعبية فقد بقيت معلّقة ولم تندفع نحو بدائل أخرى، كونها تنطلق من أيديولوجية قومية أكثر منها إسلامية في مواقفها السياسية، وحال غزة ما بعد مواجهة 2005 التي سيطرت بعدها حماس لم يشكل مثالاً يُحتذى به من قبل الفصائل الباقية في المشهد الفلسطيني.

 دور عرب 48

 يشير الكاتبان إلى الدور المنوط بعرب 48، والذي تم تجاهله لعقود بسبب العلاقات المتوترة بين جانبي الحدود، خصوصاً بعدما شهدت السنوات الأخيرة تفاعلاً متنامياً بين النخبتين السياسية والثقافية، وبدأ الرأي العام الفلسطيني يعترف رويداً بالدور الوطني ومكانة "أُخوتهم" في إسرائيل، تحت عنوان "إصلاح نسيج الهوية الفلسطينية الممزق".

بل أثبت مواطنو إسرائيل من الفلسطينيين صمودهم وليونتهم وديناميكيتهم لدرجة قد تبشر بظهور شيء من "النهضة القومية"، بفضل قيادتهم الجريئة، التي باتت أكثر خبرة في التعامل داخل أروقة "الديمقراطية الإسرائيلية".
ورغم أن معاهدة أوسلو سعت لنقل المطالب من عام 1948 إلى 1967، مقتطعة جزءًا كاملاً من التاريخ عبر التركيز على وقائع ما بعد 67، لكن التحركات الحالية في مواجهة دائمة مع هذه المحاولات، فأوسلو لن تتمكن أبداً من الالتفاف على التاريخ. وفيما يتعلق بالتناثر الفلسطيني حول العالم، أثبت الجيل الشاب أنه لم يُصب بفقدان الذاكرة أو حتى الشعور بالانفصال.
وقد ساعد التعاطف الدولي -خصوصاً في الغرب- مع الشعب الفلسطيني في خلق بيئة حاضنة للنشاط الفلسطيني، وذلك من خلال المقاطعة تارة مثل حركة "Boycott, Divestment, and Sanctions"، وتارة من فعاليات داخل وخارج حرم الجامعات.
ورغم كل النقاط المذكورة أعلاه، يؤكد الكاتبان أن المستقبل ضبابي وحافل بالخيارات المرّة، لكنهما يشيران إلى أن شعلة الوطنية تستطيع أن تتعايش مع كراهية الاحتلال والرغبة في الحرية وعيش حياة عادية في آن معاً. لكن كي تتحول إلى حركة وطنية، لا بد من انخراط جماعي شعبي، والاتحاد حول رؤية سياسية تتخطى حدود الدين والعشيرة والطبقة الاجتماعية، كما تحتاج إلى قيادة معترف بها، وهذا أمر لم يعد ينطبق برأيهما على فتح أو السلطة الفلسطينية الحالية، أو حتى منظمة التحرير.


     المشاهدات : 137

الإسـم

:

البريد الإلكتروني

:

التعليق

:

 
 
 

تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع ' عمان1 ' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما بـأن التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .