المشاهدات : 416 التاريخ : 25-03-2018 12:00:57

الفقراء سباقون.. الطب البديل حيث لا بدائل

الفقراء سباقون.. الطب البديل حيث لا بدائل

عمان1: منذ حوالي عقدين من الزمن، دخل الأثرياء (عندنا وعند غيرنا) وبقوة على خط التداوي بالأعشاب والمنتجات الطبيعية، لكنهم اعتبروا ذلك جزءا مما صار اسمه: "الطب البديل".
وهذا الاسم، إضافة إلى أناقته، فإن استخدامه هنا يحمل تذكيرا بمقدرة صاحبه على الوصول إلى الطب "الأصيل"، "العادي" أو ربما "التقليدي"! الذي كان إلى حين يحمل اسما واحدا هو "الطب الحديث"، حيث يقتصر العلاج فيه على الأدوية الحديثة وعلى الدخول للمستشفيات والعيادات والمراكز الطبية! 
لقد اكتشفوا أن طرق الطب الحديث لا تكفي، فلجأوا إلى الأعشاب وأخواتها من أطعمة ومن حركات و"طقوس" طبية تعود إلى عصور سابقة، أو مشتقة من ثقافات أخرى... وغير ذلك. 
الفقراء، وخاصة منهم الذين اعتادوا على الأعشاب، ووصفاتها الشهيرة، وهي عندهم طب "تقليدي" و"أصيل" حيث يصعب عليهم الوصول والحصول على بدائل تتمثل بالمقدرة على دخول المستشفيات وتناول العقاقير الكيماوية، والحبّات، التي تشبه السحر في مفعولها.. 
كما تلاحظون، فإن الفريقين (الأغنياء والفقراء) يتبادلان دلالات ومعاني مفهوم "البديل" و"الأصيل".
الفقراء كانوا على الأغلب؛ سعداء وهم يرون عودة جماهيرية واسعة تشمل الأثرياء نحو أعشابهم، ما أدى إلى زيادة ثقتهم بها، وما يعنيه ذلك من استعادة الثقة بصحتهم، تأكيداً للقاعدة الصحية المعروفة القائلة " الفقرَ مستور بالعافية". غير أنهم سرعان ما اكتشفوا أنهم بالغوا بمشاعر الثقة بالنفس تلك.
إن قسما كبيرا من الداخلين الجدد إلى "الطب البديل" اختاروا أن يميزوا أنفسهم فالتحقوا بتيار عالمي يوفر تلك الأعشاب والدهون على شكل منتجات فاخرة تحمل أسماء خاصة، وبأسعار خاصة أيضاً، وقد أقيمت لها المتاجر الأنيقة بما يكفي لتمييزها عن محلات ودكاكين العطارين الشعبية المكتظة بالأكياس والبراميل والصناديق الخشبية.
ولكن في الواقع، حصل في كثير من الحالات، شيء من الإندماج بين الفريقين، فالأسماء الشهيرة في عالم الأعشاب هي شهيرة في الوَسَطين: الغني والفقير، بل إن بعض الأغنياء يفضلون أن يتزودوا بما يحتاجون من "الأصل" وفي موقع تواجده أياً كان، ويبدو أنه حصل هناك ما يشبه "الإشباع" فيما يتعلق بفخامة العيادات والمستشفيات وارتفاع أسعار المستحضرات، وصرت الآن تسمع عن مداوٍ بالأعشاب يقيم في غرفة ضيقة، أو في قرية بعيدة، أو زقاق مخيم، ويأبى مغادرة موقعه، فيما يتردد عليه كثير من عِلْية القوم في مكانه.
غير أن الظاهرة التي تسببت بإرباك صحي ومالي أيضاً، تمثلت في الدخول الإعلامي والإعلاني الواسع في السنوات الأخيرة إلى مجال "الطب البديل"، فقد أقيمت محطات بث تكاد تكون متخصصة في هذا الميدان، ووظفت وسائل التواصل المختلفة، وبرز "نجوم" يقدمون أنفسهم كخبراء وخبيرات "محايدون" يعملون لأجل البحث، وفي أسفل الشاشة تجدون أرقام هواتف أو عناوين للتواصل والاستفسار، ولمزيد من المعلومات! 
طب الفقراء
بالطبع، فإن السلوك الطبي أو الصحي للأثرياء ليس موضوعنا المباشر هنا في هذه الزاوية المعنية بالمنظور التنموي.
موضوع "طب الفقراء" في غاية الاتساع والتشعب، حتى لو اقتصرنا متابعته على حالة المجتمع الأردني، الذي رغم صغره النسبي، لكنه يشهد تنوعاً نظرا لتنوع البيئات الاجتماعية الاقتصادية الغذائية، فهن ظواهر تنتشر في القرى وأخرى في البادية وثالثة في المدن والمخيمات، ولكل موقع مواصفاته. 
في هذه المتابعة، سنقتصر تناولنا على المشهد في منتصف عمان الذي جرى عليه بعض التبدل في السنوات الأخيرة، وسنحاول فيما يلي وباختصار شديد رصد بعض مظاهر هذا التبدل، مع ملاحظة ان ما يحصل في هذا الموقع يتكرر في المدن الأخرى وإن اختلفت الحجوم؛
فمن جهة فقد تكاثرت في وسط عمان محلات بيع الأعشاب الطبية بشكل ملحوظ، وأجرت الكثير من التبديل على طرق العرض والديكورات، وعمد أصحابها في زمن معين إلى الإعلان عن الصفات العلاجية لأعشابهم وخلطاتهم التي يحرصون على التذكير بأنها "مضمونة" أو "سِرّية" أو "سِحرية"، وفيما يبدو، فقد تعرضوا لبعض الضغوط والمراقبة من قبل الجهات المختصة التي لا تعترف، أو على الأصح، تريد أن "تُوزّع" اعترافها على من تريد.
بعض المحلات تعرض أمام زبائنها قوائم بالمستحضرات واستخداماتها، وطوّر بعضهم نشاطه بحيث جهز عبوات باحجام مختلفة تحوي الوصفة المطلوبة.
غير أن بعض الأسماء الشهيرة والتي حققت درجة ثقة عالية عبر العقود لا تزال تعمل في الموقع ذاته وبالطريقة ذاتها معتمدة على تاريخ طويل من الصداقة بينها وبين طالبي الخدمة العلاجية أو الغذائية الشعبية.
مع ذلك فإنك تجد من يعتمد الشارع نفسه موقعاً مناسباً للتسويق، بما يشبه بسطات العلاج الشعبي، فيكتب على ورقة صغيرة وبخط صغير ملخصاً عن بضاعته، وقد يعرض عينات منها، وإذا اقتربت وأبديت اهتماماً، فإنه سوف يرشدك إلى المكان الرسمي المعتمد مِن قِبَله لممارسة عمله في علاج ضغط الدم والسكري والقرحات بأنواعها والغازات والبواسير وصولاً إلى الوصفات التجميلية كإزالة الشعر أو إنباته وتغزيره، أو حتى أصناف المقويات "المضمونة والمجربة"، وما عليك إلا أن تزوره في "طْلوع" أحد الجبال، أو أول دخلة في مخيم، وتسأل عن أبو محمد العطار –مثلاً- ولن تتعب في السؤال، فأي واحد في الشارع سوف يرشدك.
"مخلعون" في طب الأسنان
لكن الأمر لا يتوقف هنا، فأنت في وسط عمان، قد تصادف مَن يدعوك، إذا كنت محتاجاً، إلى تركيب الأسنان المفردة والجسور متعددة الأسنان، وحتى "الطّقوم" الكاملة، وقد يبرزون لك ما تريد مِن وثائق تثبت خبراتهم، والمواقع التي خدموا بها، وأنهم ورثوا الصنعة عن أجدادهم، وأن كثيراً ممن اعتمدوا على الأطباء عادوا إليهم ليصلحوا ما أفسده الأطباء.
وفي العادة فإن فنيي الأسنان الشعبيين هؤلاء يحملون حقيبة خاصة تدل عليهم، ولكنهم يعمدون وبصوت خفيض إلى النداء: "أسنان.. أسنان.. طواحين.. طْقومة".
وبالطبع يتعين الانتباه إلى أن قطاع طب الأسنان "البديل" هذا، لا يزال "مُحتكراً" من قبل المرضى الفقراء، ولم يتمكن الأغنياء من اقتحامه ولا تزال معالجتهم لأسنانهم مقتصرة على الطب "التقليدي" في عيادات الأسنان "العادية" يمارسون فيها شتى عمليات التقويم والتبييض وزرع الأسنان وسواها من إجراءات "كلاسيكية".
الجانب الآخر من المشهد، هو كثافة الإعلانات عن العيادات الشعبية التي تمارس العمل الطبي، فعلى مختلف الواجهات وأعمدة الهاتف تجد إعلانات ترشدك إلى موقع خبير في الحجامة، أو الأعشاب، وخلاف ذلك.
كما ترون؛ فبالتوازي مع انتشار فكرة الطب البديل والعمل الإعلاني الكبير الذي يرافقه في شتى القنوات والمحطات التلفزيونية وانتشار مئات الكتب المترجمة فاخرة الطباعة حول هذه المواضيع، استعاد الفقراء الثقة بما لديهم، ولكن مرة أخرى على طريقتهم وبأقل التكاليف، محاولين تجاوز المنافسة الشديدة التي يتعرضون لها من طرف "نخبة" الملتحقين بالطب البديل.


     المشاهدات : 416

الإسـم

:

البريد الإلكتروني

:

التعليق

:

 
 
 

تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع ' عمان1 ' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما بـأن التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .