الغطاء القانوني والأخلاقي للحرب

تحاول الولايات المتحدة الأمريكية عادة،  تغطية حروبها الاقتصادية والعسكرية، بغطاء قانوني وأخلاقي أمام الرأي العام العالمي، حتى وإن كانت تلك التغطية زائفة. فها هي تناصب إيران العداء وتشدد حصارها الاقتصادي عليها، رغم مضى أكثر من عشر سنوات على فرضها بقرارات من الأمم المتحدة. وفضلا عن ذلك فأنها تهددها اليوم باستخدام القوة العسكرية، من خلال حشد أساطيلها وجيوشها في منطقة الشرق الأوسط تحت تغطيات مختلفة.

من بين تلك التغطيات أن إيران تعمل على تخصيب اليورانيوم سرا لصنع سلاح نووي، 
وأنها تشكل خطرا توسعيا على حساب جيرانها من الدول العربية، وأنها تحاول إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وأخيرا اتهامها بتفجير السفن التجارية قبالة شاطئ الإمارات العربية وفي خليج عُمان. 

وهذه التغطيات تذكرنا بالتغطية الكاذبة التي طبقتها الولايات المتحدة، لشن الحرب على العراق في أوائل هذا القرن، حيث وقف كولن باول وزير خارجيتها في حينه أمام الأمم المتحدة، يدافع بحماس عن أدلة قوية تثبت امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، وإقناع الأسرة الدولية بشرعية وأخلاقية الحرب على العراق، يؤيدها في ذلك زعماء الدول العربية، المجتمعون بمؤتمر القمة في القاهرة. 

وبعد انتهاء الحرب الثلاثينية التي قادتها الولايات المتحدة، وأسفرت عن تدمير العراق، لم يعثر المفتشون الدوليون على أية أسلحة للدمار الشامل. وعندها اعترف كولن باول بأنه ارتكب خطأ كبيرا في تبرير أسباب الحرب وتغطيتها قانونيا وأخلاقيا، ملقيا باللائمة على أجهزة الاستخبارات الأمريكية التي ضللته، وشكّلت له وصمة عار في مسيرته السياسية حسب قوله.

وفي وقت لاحق لخّص كولن باول فلسفته في هذا المجال قائلا : " بالنسبة للسياسة فإن الغطاء القانوني والأخلاقي لعمل عسكري يكون مطلبا مرغوبا به، لكنه بالنسبة للعسكريين قضية أكثر دقة وحساسية، لأنه بدون الغطاء القانوني والأخلاقي يتحول القتال إلى مجرد قتل، لا يختلف فيه جنرال على كتفه أربعة نجوم، عن مرتزق يحمل بيده سكينا". 

وهذا ما تحاول الولايات المتحدة الأمريكية فعله هذه الأيام، من تهديد لإيران بالحرب وزيادة الضغوط الاقتصادية عليها تحت تغطيات مفتعلة، لترويضها وإعادتها إلى الحضن الأمريكي، كي تعود شرطي الخليج الذي يدور في فلكها وينفذ أوامرها كما كانت أيام الشاه. وكل ذلك يصبّ في مصلحة إسرائيل لتتمكن من تحقيق حلمها، في بناء دولتها الكبرى من الفرات إلى النيل. 

أما من جانب إيران فإنها تسير بخططها وبرامجها قدما بما يحقق مصالحها الوطنية، دون التفات لتهديدات المسؤولين الأمريكيين التي اعتبرتها لا تستحق الرد. بل كان ردها العملي على تلك التهديدات، إسقاط طائرة التجسس الأمريكية المسيرة التي اخترقت الأجواء الإيرانية. 

وكان الرئيس الأمريكي ترامب قد قرر ضرب  ثلاثة أهداف إيرانية ردا على إسقاط طائرة التجسس، ولكنه تراجع قبل تنفيذها بعشر دقائق، لأنها ستؤدي لمقتل 150 شخصا مدنيا حسب إدعائه.  لكن الحقيقة التي تقف خلف ذلك، قد تكون خشيته من رد الفعل الإيراني نحو قواته المتواجدة في أماكن قريبة، وضمن مدى الصواريخ الإيرانية، مما قد يتسبب بإشعال حرب في المنطقة لا يريدها ترامب.  

فبعد أن اتهم الرئيس الأمريكي إيران بارتكاب خطأ في إسقاط طائرة التجسس، عاد ليجد لها العذر قائلا: " ربما أسقطت إيران الطائرة المسيرة عن طريق الخطأ . . ربما يكون شخص غبي فعل ذلك ". وعليه توجه الرئيس الأمريكي إلى مجلس الأمن، للحصول على التغطية القانونية والأخلاقية اللازمة لمعاقبة إيران على تصرفاتها عند الضرورة. ولكنه أتبعها بالإعلان أنه ليس في عجلة من أمره، في محاولة لإغراء إيران بالجلوس إلى طاولة المفاوضات دون شروط مسبقة.