ناشطة سعودية تُوثِّق تجوّلها بالرياض بملابسٍ ضيّقة

عمان1:هي عاصفةٌ ضرَبَت العربيّة السعوديّة بلا شك، أو هي “فيروس” تهكيري يحتاج إلى إعادة ضبط المصنع كما يصِفها أحد النشطاء، هي الرؤية التي قدّمها وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان رؤية 2030، والتي انتهت أخيراً في شقّها الاجتماعي، بالسّماح للمرأة باستخراج جواز سفر إذا تجاوزت 21 عاماً، ودون إذن وليّ الأمر.
السعوديّات أو بعضهنّ لم يتردّدن مُطلقاً بالتوجّه إلى إصدار جوازات سفر لهن، وقد أرفقت بعضهنّ صُوراً لمُعاملة إصدار الجواز بالفِعل عبر حساباتهن، وقد غادرن بالفِعل “بدون إذن وليّ الأمر” من منفذ المِنطقة الشرقيّة، وقد بلغ عددهن كما أشارت صحيفة “اليوم” المحليّة (1000) مُسافرة، أسقَطن فِعليّاً نظام وثائق السفر الذي كان يُفرَض على المرأة السعوديّة حُصولها على إذن وليّ أمرها.
لا يبدو أنّ ثمّة اعتراض علني ملحوظ من قبل الشعب، يُمكن القول أنه يرتقي لمُستوى إجبار السلطات السعوديّة على التراجع، تقتصر الاعتراضات على مواقف فرديّة لبعض أئمة المساجد السعوديين، والذين انتقدوا بشكلٍ علنيٍّ في خطبهم السماح للمرأة بالقيادة، والسفر، وحتى العمل المُختلط مع الرجال، بل إنّ أحدهم قد عاد إلى لهجة الخطاب السلفي، وحذّر من عمل المرأة، أو استخدم التوصيف الإسلامي الشهير للتّحذير من عملها: “لا تأكل المرأة الحُرّة بثدييها”، فما كان من السلطات إلا أن حوّلته إلى التحقيق، والاعتقال، ليبقى الاختبار ماثلاً أمام السلطات، فيما إذا كانت ستُواجه حالة عابرة للمُحافطات وعلى منابر المساجد تحديداً، تنتقد حالة “تحرير” المرأة، وسفَرِها لوحدِها.
في الأوساط السعوديّة هناك وجهتيّ نظر حول ردّة الفِعل النهائيّة التي قد تتشكّل حول التغييرات الاجتماعيّة التي طالت المُجتمع السعودي المُحافظ:
ـ الأولى: تقول إنّ ثمّة اعتراض سلفي قبائلي ديني، قد يتشكّل عبر حالات اعتراض فرديّة، وبدأت بالفعل من على منابر المساجد، وقد تتطوّر إلى حالات مُتطرّفة، تكون على شاكلة اعتداء علني على أحد مظاهر التحرّر، وقد ينتهي بمشهد يُشابه مشهد اقتحام الحرم المكّي الذي افتعله المدعو جهيمان العتيبي، بذريعة إعادة الأمور الدينيّة إلى نصابها، وسحب البيعة من عائلة آل سعود، وبعد أن شهدت البلاد بالفِعل في السبعينات حالةً انفتاحيّةً وظهرت دور السينما اعتقدت السلطات في حينها أنها مرّت على خير، لكنّها عادت واضطرّت لاستحداث حالة تيّار الصحوة ورموزها، حتى تتجنّب تطرّف “جهيماني”، والذي تقول سلطات السعوديّة اليوم إنها حالة اختطاف، وعادت الأمور إلى طبيعتها اليوم، بل وأوعزت إلى أحد رموز (الصحوة) الاعتذار وهو الشيخ عائض القرني الذي اعتذر تلفزيونيّاً عن تعصّب هذا التيّار الذي كان يُمثّله يوماً ما، هو وصحبه كالشيخ سلمان العودة المُعتقل، ويُواجه عُقوبة الإعدام.
ـ الثانيّة: تذهب باتّجاه التّقليل من أهميّة كُل تلك الاعتراضات، وتعتبرها حالات فرديّة، لا يُمكن لها أن تُحدث ذلك التغيير، والعودة إلى عهد الصرامة الإسلاميّة، ومُؤسّساتها (المعروف والمُنكر)، ولسببين: الأوّل: أن الشعب السعودي لم يعد ذلك الشعب الانغلاقي، ومُتأثّر لحد كبير بالثورة المعلوماتية، وشبكة الانترنت، وبات يتقبّل أكثر مظاهر الانفتاح، والسبب الثاني أن مظاهر تقبّل التغيير أكثر منها في رفضه، وبدلالة توجّه عدد كبير من النساء بقرارٍ شخصيّ إلى المنافذ الحدوديّة، فور السّماح لهن بالسفر، بدون إذن ولي الأمر الذي بات أمام الأمر الواقع، وبالتّالي تقول وجهة النظر إنّ الشعب السعودي بطبعه مُعتدل، ويُؤمن بالانفتاح والتغيير الذي يقوده وليّ عهد المملكة الشاب الأمير محمد بن سلمان، هذا بالإضافة إلى أنّ السلطات الحاليّة تحكم البلاد بالحديد والنار، ولن تسمح بخروج جهيمان جديد.
تبقّى إذاً مسألة عالقة أخيرة فيما يبدو في طريق تحرير المرأة، ترغب الحكومة السعوديّة بإتمامها، ومُتعلّقة بلباس النساء على أراضي بلادها، حيث من المعروف أنّ المرأة سواء كانت مُواطنة أو مُقيمة، عليها التقيّد بلبس العباءة السوداء، وغطاء الرأس، وهي قوانين موضوعة لا مكتوبة، جرى التقيّد فيها طويلاً في البلاد، وكان يُشرف على تطبيقها هيئتي الأمر بالمعروف، وهيئة المُحتسبين، والتي كان أعضاؤها من عامّة الشعب، ويحق لهم باسم الدين تطبيق شرع الله، والطلب من النساء ارتداء العباءة، وغطاء الرأس.
حتى كتابة هذه السطور، لا يبدو أن ثمّة نزعة شعبيّة للتخلّي عن ارتداء العباءة، فالسعوديّات يرتدينها، بل ولا تزال أكثريتهن تُحافظن على ارتداء النقاب، وهي حالة عامّة تبدو أنها لا تتناسب مع توجّهات القيادة السعوديّة في التحرّر والانفتاح، والتي كانت قد تحدّثت عن العباءة بشكلٍ خاص، حين أشار ولي العهد الأمير بن سلمان في مقابلة تلفزيونيّة منذ عام تقريباً، إلى أنّ النساء لهنّ مُطلق الحريّة في نوع الرداء اللائق والمُحترم الذي تخترنه، كما كان قد أكّد على أن الدين الإسلامي لا ينُص حرفيّاً على ضرورة ارتداء عباءة سوداء، أو حجاب أسود.
بعد عام أو أكثر قليلاً، لا يبدو أنّ دعوة الأمير محمد بن سلمان قد وجدت آذاناً صاغيةً، فالعباءة السوداء لا تزال الزي الرسمي للنساء، كما الثوب الأبيض للرجال، الأمر إذاً يحتاج إلى تجربةٍ واقعيّة تكسر حاجز العادات والتقاليد، بل وقوانين البلد التي طالما لاحقت النساء السافرات، هي تجربة يرصدها مراقبون وتأتي للمُزامنة والمُفارقة مع جُملةٍ من قرارات تحرّريّة طالت المرأة في قيادتها، ثم سفرها، وحتماً لا بُد أن تصِل ملبسها.
الناشطة النسويّة مناهل العتيبي، كانت بطلة التجربة، حيث قرّرت النزول إلى شوارع الرياض، وقد ارتدت لباساً رياضيّاً ضيّقاً، وتجوّلت في أحد الأحياء بدون عباءة، ووثّقت الشابة تجربتها، وكتبت على “تويتر” حولها: “أمس كان يوم حظي، نمت وأنا جداً سعيدة، وصحيت وأنا أسعد، ومن السعادة رحت أشطب شوارع الرياض شارعا شارعا وحارة حارة، ومن خلال تشطيبي وتعاملي مع الدوريات والمرور وردة فعلهم المحترمة معي، اكتشفت أن النظام فعلاً تعمم وأن ولي العهد كان صادقا لمن قال (يحق للمرأة أن ترتدي مثل الرجل). #صباح_الخير“.
اللافت في التجربة كما يرصد المراقبون، أنّ الشابة كما أكّدت في تغريدتها لم يتم التعرّض لها من قبل دوريات الشرطة، كما كان يجري مع ناشطات حاولن كسر قيود على المرأة السعوديّة، وهي رسالة من الدولة مفادها يقول إنّ ثمّة دعوة صريحة وعلنيّة للنساء للتخلّي عن العباءة، والخُروج من دونها، ولا مانع حتى من التخلّي عن الحجاب أيضاً كما فعلت الناشطة في مقطعها المُوثّق، وخروج النساء بشعورهن، فلا أحد سيتعرّض لكنّ من بعد اليوم، والأكثر لفتاً في التغريدة، حرص الناشطة النسويّة على التنويه إلى صدق ولي العهد بخُصوص حق المرأة بارتداء الملابس مثل الرجل، لكن ومع ذلك لم تمر التجربة بالعالم الافتراضي كما الواقع على خير، فنشطاء كُثر انتقدوا لباس العتيبي، وشتموها في عرضها، وشرفها، وتعالت أصوات نادت بالتعرّض للنساء اللواتي يخرجن عن أعراف العباءة والحجاب التي عرفها الأجداد، والآباء.
التجربة الاجتماعيّة التي تتوافق مع حالة التحرّر التي تضرِب بلاد الحرمين، لا شك بأنها كما يرى عالمون بالشأن السعودي، أنها تمّت بمُباركة الدولة السعوديّة، وعلمها وتحت إشرافها، فكُل الناشطات البارزات اللّواتي قُمن بالمُطالبة بحُقوق المرأة، ومُساواتها بالرجل، خلف القضبان اليوم، ولن تجرؤ أيّ واحدة بالتالي على خوض تجارب اجتماعيّة تختبر ردّة فعل الدولة قبل الشعب، مُنفردة، وتُغامر بالتعرّض لما تعرّضت ناشطات نسويات على شاكلة الثلاثينيّة الأكثر تأثيراً، والمُعتقلة حاليّاً لجين الهذلول، ومع هذا كلّه جرى التّشكيك بحقيقة تجربة الناشطة مناهل، والقول بأنها جرى تصويرها بمساحةٍ ضيّقة اقتصرت على أحياء سكنيّة داخليّة، فيما تُطرح التساؤلات إذا كانت ستتحوّل تجربتها إلى قدوة وحالة عامّة تتّبعها نساء المملكة في اللباس والخُروج، وهل ستُنفّذ الأصوات المُعترضة على “اللباس الضيّق” وبدون عباءة تهديداتها الواردة في “العالم الافتراضي التويتري”، تساؤلاتٌ مطروحة.
في كُل الأحوال، وبغضّ النّظر عن المشهد الأخير الخِتامي لمرحلة التحرّر، تبقى السلطات السعوديّة أمام تساؤلٍ كبيرٍ، وتحدٍّ مُتعاظمٍ، وهو كيفيّة الخُروج من مُعضلة مُحاكمات الناشطات النسويّات، اللواتي كن قد طالبن بما يتحّقق اليوم من تحرّر للمرأة في بلادهن، وتطبيق حرفي لما تُريده الرؤية، فالأنباء القادمة من العربيّة السعوديّة تقول إنّ الناشطة لجين الهذلول رفضت عرضاً بالإفراج عنها، مُقابل نفي تعرّضها للتعذيب بالفيديو، وهي التي تُحاكم كما تقول سُلطات بلادها بتُهم التّواصل مع جهاتٍ خارجيّة أجنبيّة، مما قد يُعطي صورةً سلبيّةً عن صورة الإصلاحي التي يرغب بها الأمير بن سلمان، ويُقدّم نفسه للعالم من خلالها، ويضع بحسب المُراقبين علامات استفهام حول الأهداف الحقيقيّة من حالةِ “التحرّر” التي تعِصف بالبلاد النفطيّة.