بعد 400 مليار وصفقة القرن.. بأي ثمن ستحمي أمريكا السعودية؟

عمان1:رغم وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السعودية بأنها حليفة لبلاده، في سياق تعليقه على هجمات "أرامكو"، إلا أنه قال في الوقت نفسه، إن العلاقة بينهما قائمة على أساس الحماية مدفوعة الثمن، وأن الولايات المتحدة لم تعد مهتمة بنفط الخليج لتبادر إلى حمايته.

إلا أن المملكة الثرية بنفطها خصصت بالفعل 400 مليار دولار، منذ بدايات رئاسة ترامب، لضخها في الاقتصاد الأمريكي، ولم تظهر انزعاجا إزاء "صفقة القرن"، التي يتردد أن الولايات المتحدة ستصفي من خلالها القضية الفلسطينية لصالح إسرائيل، ما يدفع إلى التساؤل عن الثمن الذي تنتظر واشنطن من الرياض أن تدفعه لقاء تدخل اعتاد العالم مشاهدة أشكال مختلفة له حوال العالم.

دفع مسبق و"تعقيد" إيراني

وفي حديث قال المتخصص في الشؤون الاستراتيجية والأمنية، عبد الله عقرباوي، إن "المشكلة أن السعودية دفعت مسبقا، وقررت قيادتها الحالية الاتساق، بشكل غير مسبوق، مع رؤية إدارة ترامب للمنطقة، لاسيما تجاه الصراع العربي الإسرائيلي".

وأضاف: "من غير المتوقع أن تشكل هذه الأثمان المدفوعة مسبقا عاملا حاسما في دفع الولايات المتحدة لشن حرب على إيران".
وتابع أن الأخيرة تمكنت في المقابل "من فرض معادلة التأثير على صادرات النفط من الخليج بشكل يؤثر على عدد من اقتصاديات العالم وعلى أسعار الخام، وهو ما يتجاوز الحسابات السعودية".
وأوضح "عقرباوي" أن ذلك من شأنه زيادة التوتر بين طهران وواشنطن، وقد ينقله لمستويات أكبر، إلا أنه يعقد حسابات الأخيرة في الوقت ذاته، لاسيما أن إيران "أثبتت في الأشهر الأخيرة أن لديها قدرة على المناورة وتقديم أوراق لعب قوية في مقابل الضغوط والعقوبات عليها".
وقال: "فيما يخص إيران تحديدا، فإن للولايات المتحدة تقديرات خاصة، لا ترتبط فقط بطبيعة علاقة طهران مع حلفاء واشنطن في المنطقة، سواء الرياض أو غيرها، فالأمر بالنسبة للأمريكيين أوسع ويشمل ملفات أخرى كالبرمامج النووي والنفوذ في المنطقة وطبيعة علاقة طهران بالنظام الدولي".
وأشار إلى أن محصلة التعقيد الذي تخلقه "الجمهورية الإسلامية"، يجعل من تهديدها للمملكة عاملا غير كاف لدفع الولايات المتحدة للتحرك عسكريا ضدها، فضلا عن ضعف مفعول "الدفع المسبق" الذي قدمته السعودية، بحد ذاته.

"الضعف" مقابل الحماية

في السياق ذاته، لفت عقرباوي إلى أن استراتيجية الولايات المتحدة الحالية تتضمن الحفاظ على توازن القوى الإقليمية الرئيسية بالشرق الأوسط، ما يضمن لها حضورها وتأثيرها. 
وأضاف أن أمريكا لا تقبل أن تكون "طرفا مناظرا أو مكافئا لآخر في المنطقة، بل تتصرف كقوة عظمى" تدير المشهد وتحافظ على ذلك "التوازن"، وتتدخل وفقا لحساباتها الخاصة، ما يعني، بكلمات أخرى، أنها يمكن أن تسمح لإيران بتهديد السعودية، لاسيما في ظل تفوق الأخيرة اقتصاديا ووصولها إلى أحدث الأسلحة الغربية، ولكنها قد تتدخل في حال بلغ ذلك التهديد حد تفوق طهران.
وتابع أن ذلك يجعل "الرهانات المطلقة على التحالف مع الولايات المتحدة فاشلة دائما"، مذكّرا بـ"العديد من الأنظمة والقيادات التي كانت حليفة لواشنطن، ولم يعد لها أثر اليوم، جراء حساباتها الخاطئة".
تجدر الإشارة إلى أن الإدارات الأمريكية المتتالية، على اختلاف توجهاتها لم تخف حرصها على تفوق إسرائيل بالمنطقة، وعلى أمنها واستقرارها، وقدرتها اللعب على التناقضات لتحقيق اختراقات تطبيعية، وهو ما يتطلب إشغال القوى الأخرى بعضها ببعض، والحفاظ على حالة عداء ونديّة بينها.
وإثر زيارة ترامب المملكة في بدايات رئاسته، عام 2017، وعقده صفقات تسليح هائلة معها، نشرت "هآرتس" العبرية تقريرا ألقت فيه الضوء على "مخاطر تطوير القوة السعودية، لاسيما الجوية، على دولة الاحتلال، إذ إن العداء بينهما قد يعود يوما".

الوصاية على النفط

منذ تولي ترامب مفاتيح البيت الأبيض، بفوزه في انتخابات عام 2016، تحولت المعادلة السعودية من استجداء الدعم الأمريكي ضد إيران، عبر تمزيق الاتفاق النووي الموقع عام 2015، ومواجهة نفوذ طهران في المنطقة، إلى طلب الحماية لمصدر ثراء المملكة الرئيسي.
وفي حديثه، أكد عقرباوي أن تصريحات ترامب بشأن عدم الحاجة لنفط المنطقة، وتحول بلاده من مستورد إلى مصدر، "لا تعني مطلقا أن ملف الطاقة وأسواقها وخطوط إمداداتها الدولية لم يعد في صلب الاهتمام الأمريكي".
وأوضح الأكاديمي أن "الأمر لا يتوقف عند الاحتياجات المحلية فقط، بل يتعدى ذلك ليشمل أمن الطاقة الدولي وتأثير الولايات المتحدة عليه"، وما لذلك من امتدادات في ملفات استراتيجية.
المحلل الاقتصادي، محمد أبو عليان، أكد بدوره أن حديث ترامب عن عدم الاهتمام بالنفط "مبالغ فيه"، موضحا أن مكانة الدولار مرتبطة بتجارة الذهب الأسود عالميا.
وتابع "أبو عليان" أن واشنطن ستبقى معنية بنفط الخليج، لاسيما أنه منخفض التكاليف مقارنة بالنفط الصخري، فضلا عن استئثار الشركات الغربية على عقود الشراكة مع نظيراتها المحلية وحكومات المنطقة.
وأضاف، في حديث أن "أمريكا لن تتخلى عن الخليج لصالح الصين أو لتفوق إيراني".
من جانبه، قال العقرباوي إن "الولايات المتحدة تستشعر قوة الاقتصاد الصيني، وتنامي فرص تحول هذه القوة الاقتصادية إلى سياسية واستراتيجية دولية، ولذا فإنه يتوقع أن تسعى واشنطن دائما لأن يكون لها تأثير على مصادر القوة الآسيوية الصاعدة من موارد الطاقة، خاصة القادمة من منطقة نفوذ أمريكي شبه مطلق"، في إشارة إلى الخليج.
وأضاف أنه من المحتمل أن تكون واشنطن تعمل على فرض وصاية على النفط وطرق الملاحة بالمنطقة، بذريعة الحماية، وذلك في إطار مساعي تعزيز هيمنتها على الساحة الدولية، وخصوصا على حساب بكين، التي يشكل وصولها إلى مصادر الطاقة شريان نهضتها الرئيسي.
يذكر أن الصين هي أكبر مستورد للخام في العالم، وذلك بقيمة بلغت 145 مليار دولار في عام 2017 وحده، بحسب بيانات موقع OEC الاقتصادي، كما أنها أكبر شريك تجاري للسعودية، منذ عام 2014.عربي21