تعرّف على المعركة التي هَزم فيها المغاربة الإسبانَ بأسلحةٍ بسيطة

عمان1:إذا كنت قد شاهدت مسلسل Love in Times of War على شبكة Netflix، فقد لاحظت بالطبع أن المسلسل يتبنى وجهة النظر الإسبانية بخصوص الاحتلال الإسباني للمغرب، لكن تعالَ نتعرف أكثر على معركة أنوال التي انتصر فيها أهل الريف في المغرب على القوات الإسبانية، بقيادة قائدهم الفذ محمد عبدالكريم الخطابي.

نضالٌ ضد دولتين كبيرتين!

قبل ثلاثة قرون من الآن كانت القوى الأوروبية قد بدأت في التوسُّع شرقاً وغرباً، في حين كانت الدول الإسلامية أقل قوةً وتقدماً خاصةً في مجال التسليح العسكري وقوة الجيوش، فبعدما أخرج الإسبان المسلمين من الأندلس احتلوا مدينة مليلية بالمغرب عام 1497م، في حين بدأت فرنسا تتحرش بالشرق، فسيطرت على مصر، وكانت الإمبراطورية البريطانية تسيطر على الهند ومساحاتٍ أخرى من آسيا.

فرض هذا الواقع المعقد على أهل كل منطقة إسلامية صراعاً ونضالاً خاصاً ضد المحتل الأوروبي، وبينما كانت الشعوب الإسلامية وغيرها من الشعوب تحارب من أجل حريتها، كان المستعمرون يقسِّمون معاً «العالم»، ففي عام 1904 عقدت القوتان العظميان بريطانيا وفرنسا اتفاقاً يقضي بتنازل فرنسا لبريطانيا عن «حقوقها» في مصر، مقابل اعتراف بريطانيا بحماية فرنسا للمغرب.

مجاهدون مغاربة ضد الاستعمار

من جانبٍ آخر كانت اتفاقيةٌ أخرى سيئة بين فرنسا والمحتل الإسباني تتشكل، فقاما معاً بتقسيم مناطق النفوذ في المغرب، فكان الشمال وأقصى الجنوب من نصيب الإسبان، في حين كان الوسط من نصيب الفرنسيين. قوبل هذا الوضع بالرفض والمقاومة بالطبع من قِبل المغاربة، وقامت عدة انتفاضات وهبّات شعبية ضد المحتل، لكن هذه الانتفاضات لم تَزِد المحتل إلا قمعاً فتوسعت القوات الإسبانية في منطقة الريف، في حين توسعت فرنسا بالوسط.

ظهرت في تلك الفترة، بدايات القرن العشرين، عدة أسماء في المقاومة والنضال ضد المحتلين، منهم الشريف محمد أمزيان في الفترة من (1909-1912م)، وكذلك الشريف أحمد الريسوني في الفترة من (1912-1925)، ثم جاء دور محمد عبدالكريم الخطابي!

محمد عبدالكريم الخطابي

وُلد الخطابي في بلدة أجدير بالريف الشمالي في المغرب، وكان والده شيخاً لقبيلة ورياغل وهي إحدى كبرى القبائل في الريف، كان مولده عام 1882م. بعث به والده إلى جامعة القرويين في فاس فتعلَّم هناك، ثم التحق بجامعة سلمنكا الإسبانية، فدرس الحقوق وحصل على درجة الدكتوراه، وبعدما عاد أصبح قاضياً في مدينة مليلية التي كانت تحتلها إسبانيا وما زالت حتى الآن، وأصبح لاحقاً قاضي قضاة.

اعتُقل محمد عبدالكريم الخطابي عام 1915، وسُجن 11 شهراً، حاول خلالها الهرب ففشلت محاولته وكُسرت قدمه، بعدها بسنوات، أي في عام 1920، بدأ الخطابي بناء «دولته» الوليدة، فجمع أبناء قبيلته وأعلن الجهاد في وجه المحتل. انضمت إليه بعض الأعداد، وكان الخطابي يعتمد أسلوب الهجوم المباغت على نقاط الإسبانيين وتمركزاتهم، أو السطو الليلي عليهم ليأخذ أسلحتهم، فتصبح أسلحتهم في حوزته، وهو ما يجعله ببساطة يقضي عليهم بسلاحهم المتقدم نفسه.

هو الآن لديه جيش، لكنه جيشٌ متواضع مقارنةً بالجيش الإسباني الضخم ومعداته، أصبح لديه 500 جندي، ولكن سرعان ما انتشرت دعوته إلى الجهاد وتحرير الريف في القبائل المجاورة، فاجتمعوا على تنصيبه أميراً للمقاومة ضد المحتل.

ومع انتصاراته المتلاحقة على بعض القوى الصغيرة للجيش الإسباني، تم تكليف الجنرال الإسباني المحنك «مانويل فرنانديز سلفستر»، بقوة 24 ألف جندي إسباني، مجهزين بالأسلحة الحديثة والمدفعية الثقيلة. انطلق سلفستر من مليلية نحو تطوان وأجدير، ولم يلقَ أي مقاومةٍ تُذكر، فظن الجنرال أن الخطابي غير قادر على مواجهته بهذه القوات الإسبانية الضخمة، لكن المفاجأة كانت في انتظاره ببلدة أنوال، يوم السابع من رمضان-15 مايو/أيار 1921.

معركة أنوال، والمقاومة العنيفة لقبائل الريف وعبدالكريم خطابي

كانت استراتيجية عبدالكريم خطابي مراوغةً بحق، فقد أشعر الجنرال سلفستر بأن جيشه عبارة عن جيشٍ بسيط لا يستطيع مواجهة جيشه الضخم المكون من 24 ألف جندي في عتادهم الإسباني الحديث، لكن هذه الفكرة جعلت الجنرال المحنك يقع فريسةً لغروره، فقد كان الخطابي يستدرجهُ فقط إلى مناطق الجبال الوعرة، التي يتمكن منها هو وجيشه جيداً، في حين لا يتمكن منها الإسبان.

لنلقِ نظرةً على الوضع الآن: جيش الخطابي بلا تسليح جيد، لكنه اعتمد على الأسلحة التي استطاع أن يربحها من حروبه البسيطة المنهِكَة للقوات الإسبانية، وعلى الناحية الأخرى جعل الجنرال سلفستر يعتقد أنه يستطيع السيطرة على مناطق كبيرة من المغرب دون مقاومةٍ تُذكر، فزاده هذا رغبةً في السيطرة على مزيد من الأرض، والآن جاء الموعد المنتظر للخطابي وجيشه.

اعترف الإسبان بمقتل 15 ألف جندي وأسر 570 آخرين

ففي 21 يوليو/تموز عام 1921، عندما هجمت قوات محمد عبدالكريم الخطابي على القوات الإسبانية من كل اتجاه، فأفقدتها عنصر المفاجأة من ناحية، وعنصر الاستعداد من ناحيةٍ أخرى، كما اعتمد الخطابي أيضاً على وجود عدد كبير من جنوده في مواضع يمكنهم من خلالها اصطياد الجنود الإسبان الفارّين من ساحة المعركة وقتلهم، وقضى الخطابي ورجاله على معظم الجيش الإسباني، وضمن ذلك قائدهم المحنك، الذي يقال إنه انتحر بنفسه: مانويل فرنانديز سلفستر!

كان جيش الخطابي حينها يقارب 4 آلاف جندي، وقد اعترف الإسبان لاحقاً بأنهم خسروا 15 ألف جندي في المعركة و570 أسيراً!.

وفقاً لمذكرات الخطابي نفسه، فقد غنم جيشه من معركة أنوال «200 مدفع من عيار 75 أو 65 أو 77، وأزيد من 20 ألف بندقية، ومقادير لا تُحصى من القذائف، وملايين الخراطيش، وسيارات وشاحنات، وتَمويناً كثيراً يتجاوز الحاجة وأدوية، وأجهزة للتخييم، وبالجملة بَيْنَ عشية وضُحاها، وبكل ما كان يعوزنا لنجهز جيشاً، ونشن حرباً كبيرة، وأخذنا 700 أسير، وفقد الإسبان 15000 جندي ما بين قتيل وجريح».

أعقبت هذه الهزيمة المدوية معركة أخرى أقل خطراً ولكنها عظيمة الأثر على الإسبان، وصل بعدها الجيش المغربي الصغير إلى حدود مدينة مليلية، التي امتنع الخطابي عن غزوها وقرر الانكفاء على الداخل لتأسيس دولته الوليدة، وتنظيم جيشه الصغير من جديد بعد كل هذه الغنائم.

جمهورية الريف!

كان انتصار أنوال تاريخياً، وجعل عبدالكريم الخطابي أكثر المناضلين المغاربة شهرةً؛ وهو ما دفعه بقوة إلى عقد مؤتمرٍ شعبي لتأسيس نظام سياسي ووضع ميثاق وطني لإدارة شؤون إقليم الريف، الذي أطلق عليه «جمهورية الريف»، وكان هو أميرها بالطبع، وعقدت الجمعية الوطنية اجتماعها الأول في 19 سبتمبر/أيلول 1921.

أعلنت جمهورية الريف في 19 سبتمبر/أيلول 1921

أُعلنت أجدير عاصمةً للدولة الوليدة، وقد جاء في ميثاقها الوطني التالي:

1- عدم الاعتراف بكل معاهدة لها مساس بحقوق البلاد المغربية، خاصة معاهدة 1921، وهي معاهدة الحماية الفرنسية على المغرب.

2- جلاء الإسبان عن المنطقة الريفية التي لم تكن في حوزتهم قبل إبرام المعاهدة الإسبانية-الفرنسية، فلا يبقى للإسبان سوى سبتة ومليلية.

3- الاعتراف بالاستقلال التام لدولة الريف الجمهورية.

عرض الإسبان على الخطابي تسوية تقتضي الاعتراف باستقلال الريف المغربي لكن تحت السيادة الإسبانية، فرفض الخطابي رفضاً تاماً، وزاد عدد القوات الإسبانية المتمركزة في شمال المغرب إلى 150 ألف جندي.

تحالف فرنسي – إسباني يقود إلى النهاية المؤلمة

بدأ قلق فرنسا في الجنوب المغربي يتزايد، مع ظهور هذه الشخصية الاستثنائية التي يمكن أن يلتف حولها كثير من القبائل، ليس فقط في منطقته وإنما بمنطقة النفوذ الفرنسي أيضاً في الجنوب. هنا قررت فرنسا التحالف مع الإسبان في الشمال، للقضاء على جمهورية الريف وقائدها محمد عبدالكريم الخطابي.

وبالفعل، في بداية عام 1926م كان الخطابي قد خسر ما يقارب 20 ألفاً من جنوده في المعارك الدائرة أمام الإسبان والفرنسيين معاً، واكتملت أزمته مع الحصار البحري الخانق الذي نفذه المحتلون على شواطئ المغرب، واضطر الخطابي إلى الاستسلام وتسليم نفسه في 25 مايو/أيار عام 1926؛ خوفاً من إبادة أهل الريف إذا أكمل المقاومة ضد المحتلين.

نُفي الأمير محمد عبدالكريم الخطابي في جزيرةٍ منعزلة بالمحيط الهادي، وبعد 21 عاماً، سنة 1947، في أثناء عودته إلى فرنسا، نزل في ميناء بورسعيد وطلب اللجوء السياسي، وقبِلته الحكومة المصرية حينذاك، وظل مقيماً بمصر حتى وفاته عام 1963م.

وظل في التاريخ؛ الرجل الذي اتحدت دولتان كبيرتان من أجل القضاء عليه!