موقفها حرج.. كيف هزّت المظاهرات المرجعية الشيعية بالعراق؟

عمان1:عقب العنف الذي شهدته مؤخرا المظاهرات الشعبية بالعراق، تواجه المرجعية الدينية في النجف، بزعامة رجل الدين الشيعي علي السيستاني، اتهامات من الشارع بأنها لا تزال تساند حكومة عادل عبد المهدي، رغم الدماء التي سفكت أثناء الاحتجاجات.
ولعل التساؤل الأبرز الذي يطرح الآن: هل فقدت المرجعية الدينية ثقلها السياسي في الشارع الشيعي، لا سيما أنها كانت وراء وصول عبد المهدي إلى السلطة بعد مباركتها لاتفاق تحالفي "سائرون" و"الفتح" على تشكيل الحكومة الحالية؟
وفي محاولة اعتبر محللون سياسيون، أنها تأتي لتحسين صورتها و"لملمة مكانتها" ورفع لوم الشارع عنها، كانت مهلة الأسبوعين التي منحتها المرجعية الدينية للحكومة، الجمعة الماضي، لتقديم المتورطين بقتل المتظاهرين والكشف عن هوية "القنّاصة المجهولين".
وسقط خلال الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت في الأول من الشهر الجاري، واستمرت لمدة أسبوع، أكثر من مئة قتيل، وما يزيد على 6 ألف جريح، جراء استخدام القوات الأمنية للعنف، لكن الأخيرة تنفي مسؤوليتها.

دفع اللوم

الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية الدكتور أمير الساعدي، قال في حديث إن "السلطة الدفاعية لحامي الدستور رئيس الجمهورية، يبدو أنها قد انتقلت إلى المرجعية الدينية في النجف".
وأكد الساعدي، أن "المرجعية الدينية، باتت اليوم محرجة، لأن هناك من وجه الاتهام إليها على أنها كانت الغطاء الإيجابي على أقل تقدير لشخص عبد المهدي، وهي التي أعطت الزخم نفسه لتحالفي الفتح وسائرون في عملية اختيار عبد المهدي لرئاسة الوزراء".
ونقل الباحث السياسي، أنه "رشح عن محمد رضا نجل المرجع السيستاني بأنهم لم يكن لديهم تأثير مباشر في اختيار عبد المهدي، وليس لديهم يد في هذا الأمر"، لافتا إلى أن المرجعية سبق أن نفضت يدها من السلطة على لسان وكيل السيستاني، عبد المهدي الكربلائي، الذي قال إن "المرجعية ليس ليها ارتباط مع السلطة، بل هي مع حامية حقوق الشعب العراقي".
وأوضح الساعدي: "المرجعية بمهلتها للحكومة، أرادت أن ترفع لوم الشارع عنها، وتقول إنها ماضية مع الشعب وحددت مدة تبدأ بأسبوعين للكشف عن قتلة المتظاهرين، وبهذا حتى لا تسوّف الحكومة كما حصل في اللجان السابقة على مدار الحكومات المتعاقبة".

محاولات لإضعافها

وبخصوص ثقلها بين العراقيين الشيعة، قال الساعدي: "المرجعية لا تزال تحمل نفس القوة والتأثير في الشارع العراقي، لأنها لم تكن هذه الموجة الأولى التي توجه لها اتهامات ومحاولات لإضعاف دورها".
وأضاف: "في حكومة نوري المالكي الثانية، كانت هناك موجة سياسية لمحاولة إبعاد زخم المرجعية عن الشارع، وقالت السلطة في حينها إن المرجعية لا يوجد لديها مؤثرات، وأنها (السلطة) لن تتأثر بتوجيهات المرجعية، لأنها تمتلك مرجعية أخرى غير التي في النجف، هذا ما صدر في وقتها من بعض الأحزاب".
وأشار الساعدي إلى أن "هناك موجة أخرى الآن أيضا هي من محركات بعض الأحزاب التي تريد أن تخفي درجة تأثير وقدرة المرجعية في الشارع، ولاسيما أن الأخيرة حددت مدد زمنية وأشارت بأصابع الاتهام إلى الحكومة بخصوص قتل المتظاهرين".
ورأى الباحث السياسي، أن "الحكومة ورئاستي الجمهورية والبرلمان، هم تحت الاختبار الآن وليست المرجعية، لأن كلمات الأخيرة أوجعت السلطات عندما شبهت قتل المتظاهرين بعمليات التصفية، والتجاوز على حقوق العراقيين وخرقهم للدستور والقانون".
ولفت الساعدي إلى أن "هذه ضربات موجعة للرئاسات الثلاثة، بل حتى السلطة القضائية التي أشارت إليها المرجعية بأن القانون لا يأخذ مداه، وأن الدولة ضاعت هيبتها، وقد نتحول من الدولة إلى اللادولة".

"لملمة مكانتها"

من جانبه، رأى المحلل السياسي الدكتور سعدون التكريتي، أنه "على الرغم من القوة الظاهرية التي تبدو عليها المرجعية، لكنها اليوم في وضع حرج ولا تحسد عليه، ولذلك نراها مضطرة للدخول على خط التعليق المباشر على الأحداث، وهو أمر لا تقوم به دائما لأنه يكسر هيبتها".
وأضاف التكريتي قائلا: "إلى حد ما، نعم ساهمت مظاهرات الأول من تشرين الأول/ أكتوبر في زعزعة المشهد، ولا سيما وأن مادتها كانت من الوسط الشيعي، وأرضها كذلك ضمن المحافظات الجنوبية أو الأحياء الشيعية من بغداد".

وأوضح: "صحيح أن تجذر المرجعية قوي، ولكنها اليوم في حرج كبير بعد الدماء التي سالت وتجاوزت المائة شهيد بالإحصائيات الرسمية، ولا سيما أن النظام السياسي الذي كان مهددا بالسقوط، هي لا تؤيده ظاهريا وتحاول البقاء بعيدة عنه".
وأشار التكريتي إلى أن "المرجعية تحاول اليوم لملمة مكانتها، وتحسين صورتها بعد أن طال صمتها، والنقطة الأهم أنها الزمت نفسها بمدة الأسبوعين وهي كفيلة بالإطاحة برؤوس كبيرة ربما يتم التضحية بها".
والتحدي الأكبر، بحسب التكريتي، يكمن في زيارة الأربعينية، فإن مضت بسلام فيمكن القول إن المرجعية ومعها التيار السياسي الشيعي تمكن من النجاة إلى حد كبير أو تم تأجيل الأزمة إلى وقت لاحق، ولكن إن حدث اضطراب ما فسيزداد الوضع سوءا.
وفي 25 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، منح البرلمان العراقي الثقة لحكومة عادل عبد المهدي، بعد تحالف كتلتي "سائرون" المدعومة من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، و"الفتح" بزعامة رئيس منظمة بدور هادي العامري.
عبد المهدي كان رهان المرجعية الأول، وتحديدا خيار محمد رضا السيستاني (نجل رجل الدين الشيعي البارز علي السيستاني)، وفُرض على الكتل، حسبما كشف نائب رئيس الوزراء السابق بهاء الأعرجي، في فبراير/شباط الماضي.
وكان النائب العراقي السابق رحيم الدراجي، قد كشف في وقت سابق أن عبد المهدي اختارته "النجف" لرئاسة الحكومة، قبل ثلاثة أشهر من إجراء الانتخابات البرلمانية في أيار/ مايو 2018، وجيء به إلى المنطقة الخضراء ووضعت له حماية دون علم رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي نفسه.