التحكيم أم المحاكم !

تعالت مجموعة أصوات مؤخراً تقارن ما بين جدوى التحكيم وأهمية اللجوء الى المحاكم لفض النزاعات التجارية والمنازعات الانشائية في أعمال المقاولات. وحاول البعض استدراج النقاش لاستعراض أهمية التقاضي أمام المحاكم عوضاً عن هيئات التحكيم كمصلحة للقطاع العام في مواجهة مطالبات القطاع الخاص. ويجدر بنا التعرض لعدد من النقاط التي قد تساعد في تقديم المقارنة:
لماذا التحكيم؟ بدأ اللجوء للتحكيم فيما بين التجار من مئات السنوات–وهم الأجدر في البحث عن مصالحهم المالية- في نزاعاتهم المالية والتجارية. وقد بادروا البحث عن محكمين من أقرانهم (ومن شيوخ الكار أو المصلحة) ممن يمتلك المعرفة النوعية المختصة في موضوع النزاع، لما في ذلك من تقريب فرص بلوغ العدالة. ويرافق هذا طلب الحصول على العدالة المقترنة بكفاءة زمنية من حيث فصل الدعوى وتنفيذ الحكم الصادر.

الموضوع متعلق بالثقافة! بغض النظر عن المبررات التي يسوقها المتناظرون من كلا الفريقين، الا أن فض النزاع لا يتعلق بالربح أو الخسارة في النزاعات التجارية وانما بانفاذ موجبات العقود والتزامات الأطراف في الغالب الأعم.
أما فيما يخص المنازعات الانشائية، يعلم المهندسون من أطراف صاحب العمل (مالك المشروع – كقطاع عام أو خاص) أو من طرف الاستشاري أو المقاول الرئيسي ومعه مقاولو الباطن أن أي مشروع انشائي مطروح للتنفيذ هو عبارة عن مشروع محتمل لمطالبة مالية أو اكثر من قبل الأطراف المذكورين أعلاه. ويتلخص الحكم التحكيمي أو حكم المحكمة في العادة بتوزيع المسؤوليات واصدار القرار المتعلق بجزء كبير منه بسداد فواتير مستحقة أو اعادة كفالات عطاء أو حسن تنفيذ أو فترة صيانة. فلا يأتي الحكم بمبالغ أو استحقاقات فضائية، وانما يطبق أحكام العقد والقانون على النزاع موضوع الدعوى. وبالنتيجة لا يوجد طرف رابح أم خاسر، لا سيما عندما نتحدث عن مشاريع منفذة ومسلمة ويتعلق الموضوع بتوزيع المسؤوليات بخصوص العقد المبرم.
ولا أتفق مع من يحلل الموضوع على أنه محاولة لحرمان بلوغ عدالة ان لجأت الى المحكمة، بقدر ما يمثل بواقع الحال ضعفا في ثقافة تطوير وتنفيذ المشاريع من طرق أو أبنية أو بنية تحتية لدى كوادر القطاع العام (وفي بعض الأحيان القطاع الخاص). وقد أتفق مع أن إحالة النزاع إلى هيئات تحكيمية متخصصة فيه قرب من العدالة وتلاف لأمد طويل من التقاضي قد يحرم الطرف المحكوم له من التعويض والافادة المالية. وقد يشكل تهديدا للقطاع الخاص باجباره على قبول خسارات غير مبررة لتغطية التزامات مالية - وفي حقيقة الأمر الاذعان لتعنت هذا الطرف أو ذاك.

رقابة القضاء حقيقة: ولا ينفي استمرار التحكيم كوسيلة فض نزاعات رقابة المحاكم على بطلان الأحكام التحكيمية وبسط رقابة المحاكم بأعلى درجاتها – أي محكمة التمييز – على حسن سير العملية التحكيمية. والأصل عدم حرمان الأطراف من حقهم اللجوء لمختصين في القطاع أو الخدمة أو المنتج محل النزاع المالي، وانتقاء محكميهم بطريقة واعية ومسؤولة.

التطور أم التراجع: نجد أن غالبية دول الجوار تنتقل في النزاعات التجارية والإنشائية إلى التحكيم كبديل للتقاضي أمام المحاكم لما في ذلك من شفافية بالاجراءات، ورفع لقيمة الدولة في مؤشر أداء الأعمال لا سيما في ظل انشاء مراكز تحكيمية وطنية ودولية ترفع ثقة القطاع الخاص بالأداء الحكومي والسياسة التشريعية في تلك الدولة.
ففي حال بلوغ نزاع يحتاج للفصل فيه، الأولى بمكان التخفيف عن المحاكم التي ترزخ تحت وطأة مئات الآف الدعاوى المسجلة سنوياً، وبدلاً عن ذلك تباشر اجراءات التحكيم بأقصر مدة زمنية وعلى أيدي مختصين من اهل المعرفة والدراية الفنية. ولا شك أن الاردن الذي بادر وكان من طليعة الدول التي لجأت الى التحكيم (القانون رقم 18 لعام 1953) أجدر بأن يحافظ على تقدمه في هذه المجال لا أن يتراجع، وننظر الى دول الجوار تتقدم لتسبقنا بما كنا فيه من المبادرين.
الموضوع يتعلق بالتأهيل لا التسويف: وعوضاً عن معاقبة المتعاقدين من القطاع الخاص أو مماطلتهم بأدوات لا تجدي نفعاً أو تستغل حاجتهم المادية، علينا أن نجمع جهودنا ونوحدها لبقاء القطاع الخاص عفياً، وليتمكن بدوره من حمل عبء الدولة في التشغيل الوطني ورفد عجلة الاقتصاد في دورته المالية وتحريك رؤوس الأموال. والأولى ان تتجه جهود الدولة إلى تطوير الكوادر المعنية في القطاع العام، ويحذو حذوها القطاع الخاص لمباشرة الواجبات الوظيفية في كل منهما بشكل صحيح بدلاً عن تبرير التقصير أو التجاوز بتعقيد بلوغ العدالة.

لم يفتنا الزمن.. فلنحافظ على مكتسباتنا التشريعية ونطورها.

الرئيس التنفيذي/ المتحدون للقانون والتحكيم