لماذا تعمد ترامب إخفاء مستقبل الوصاية واللاجئون بصفقة القرن

عمان1:أكثر من 80 صفحة كان هو حجم صفقة القرن التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الثلاثاء 28 يناير/كانون الثاني، في مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو ما يشير إلى وجود كثير من التفاصيل التي لم يعلن عنها بعد.
عدد من البنود الأساسية تمت الإشارة إليها من قبل ترامب ونتنياهو وكوشنر بشكل عام دون الدخول في تفاصيل، وهو ما يعني إلقاء العديد من بنود الصفقة طي الغموض وعدم الوضوح، ربما لأنها لم تنضج بعد حتى لحظة إعلان الصفقة المستعجل، أو لأن الوقت ليس مناسباً للحديث عنها بعد.
ترامب تحدث عن إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح وعاصمتها في القدس الشرقية، وأشار إلى إبقاء الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية دون تفاصيل إجرائية واضحة، بالإضافة لوضع اللاجئين، كل هذا جعل بنود الصفقة عائمة دون توضيح الكثير من النقاط التي تركها للسنوات الأربع القادمة، خلال المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

مهلة 4 سنوات وبنود لا تزال غامضة
شكل منح ترامب السلطة الفلسطينية 4 سنوات لقراءة خطته للموافقة عليها، مناسبة لطرح كثير من التساؤلات حول نوايا الإدارة الأمريكية التي تقف خلف منح هذا الوقت للفلسطينيين لقراءة الخطة.
تيسير نصر الله، عضو المجلس الثوري لحركة فتح، قال : إن الإدارة الأمريكية تعول من خلال هذه المهلة على حدوث تغير في الموقف الفلسطيني الرسمي والشعبي، للموافقة على صفقة القرن.
وأضاف: «هذا رهان خاسر، لأنه لا أحد يمتلك الحق في التنازل عن ثوابت وحقوق الشعب الفلسطيني مهما بلغ مستواه الوظيفي والتنظيمي».
وأشار إلى أن عدم توضيح ترامب لكل بنود صفقته، وتعمد إبقاء بعضها غامضاً، هدفه إعطاء إسرائيل الوقت الكافي لتطبيق ما يتعلق ببنود صفقة القرن، وإنجاز ما تم إقراره من خطط لتهويد المدن والقرى الفلسطينية، لفرض سياسة الأمر الواقع على أي رئيس فلسطيني قد يخلف الرئيس محمود عباس في حال غاب عن المشهد السياسي.

تهويد القدس
بدا أن هناك تبايناً واضحاً في المؤتمر الصحفي لترامب حين تحدث عن مدينة القدس المحتلة، ففي حين أوضح في بداية المؤتمر أن القدس ستبقى موحدة لإسرائيل وغير منقسمة، لكنه أكد في وقت لاحق أنه سيمنح للفلسطينيين عاصمة في القدس الشرقية، وسيقوم بافتتاح السفارة الأمريكية فيها.
عبدالرحمن شهاب، مدير مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية، قال: إن الإدارة الأمريكية قطعت شوطاً كبيراً فيما يخص تهويد مدينة القدس تمهيداً لمنحها للسيادة الإسرائيلية.
وأضاف: «لكن هذا الأمر لم يحسم بشكل كامل، خصوصاً في ظل الواقع الديموغرافي الذي يتمثل في وجود ربع مليون مواطن مقدسي في هذه المدينة، وهم سيتفوقون خلال السنوات الثلاثين القادمة على الجانب الإسرائيلي، الذي لديه حالياً نصف مليون مواطن في المدينة».

الوصاية الأردنية على الأوقاف الدينية
نقطة أخرى لم تكن واضحة في إعلان صفقة القرن تتعلق بالموقف من الوصاية الأردنية على الأوقاف الإسلامية والمسيحية في القدس.
هذه المسألة خلافية، وباتت تتصدر عناوين الأخبار في الآونة الأخيرة مع زيادة التطلع السعودي لأخذ هذا الدور من جهة، وتراجع العلاقات الأردنية الإسرائيلية من جهة أخرى.
علاء الريماوي، المدير السابق لمركز القدس للدراسات الفلسطينية الإسرائيلية، قال: إن «الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية لا ترغبان في هذا التوقيت بالذات الدخول في مواجهة مباشرة مع الأردن في ملف القدس، في ظل إصرار المملكة على إبقاء وصايتها على المقدسات الإسلامية والمسيحية، انطلاقاً من المسؤولية التاريخية لهذه الوصاية التي تمتد لأكثر من خمسين عاماً».
وأضاف أن «وجود قرابة مليون لاجئ فلسطيني على أراضي المملكة قد يكون سبباً في حدوث تحولات قد تضر مصالح إسرائيل مع المملكة، وتنسف 3 عقود من السلام».
وأوضح جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأمريكي وصهره، في حوار مع الجزيرة، عقب مؤتمر إعلان صفقة القرن، أنه بالنسبة للأماكن المقدسة الإسلامية فإن الخطة تضمن إشراف الأردن عليها، واعتراف إسرائيل بذلك، وحق المسلمين في زيارتها.
إذ يعتبر أن الفلسطينيين والمسلمين نالوا ميزة بالخطة، عبر الاعتراف الإسرائيلي بالدور الأردني في المسجد الأقصى، والاعتراف به أصلاً كمكان مقدس للمسلمين.

اللاجئون الفلسطينيون
رغم أن الإدارة الأمريكية الحالية استهدفت منذ دخولها البيت الأبيض أوائل 2017 وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، من خلال الدعوة إلى إغلاقها، وصولاً إلى قطع التمويل عنها، وانتهاء باتهامها بالفساد، لكن خطاب ترامب في إعلانه للصفقة لم يتطرق إليها، مما يطرح سؤالاً إن كان الأمر يتعلق بنسيانه بصورة عفوية، أو تناسيه بصورة مقصودة.
عبدالستار قاسم، أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح، قال : إن ما جاء في إعلان الرئيس الأمريكي لا يصنف تحت بند الصفقة السياسية، كون الشروط والنقاط التي حددها ترامب هي أقرب لإملاءات تفرض من طرف منتصر على طرف منهزم.
وأضاف أن الرؤية الأمريكية لم تتطرق لملف اللجوء الفلسطيني في الشتات، وهذا يحمل في طياته سيناريوهين، الأول يتمثل في تحركات أمريكية مرتقبة في الأمم المتحدة بشأن إصدار قرار تاريخي بإنهاء وتصفية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
والثاني وجود وعود بتوطين اللاجئين في الأراضي التي يمكثون فيها، وتعويضهم بمبالغ مالية تنفيذاً لقرار 194 الذي نص على عودة اللاجئين لأراضيهم التي هجروا منها، أو تعويضهم بمبالغ مالية.

عتاب للسعودية
في الوقت ذاته، فقد كان ترامب معنياً بأن يوجه شكره لسفراء الإمارات وعمان والبحرين على حضورهم لإعلان الصفقة.
لكن ترامب أغفل ذكر السعودية حليفته الأهم، والتي ينظر إليها على أنها الممولة الرئيسية للصفقة، مما قد يحمل ضمناً عتاباً أمريكياً على تغيب السفير السعودي عن حفل إعلان الصفقة من جهة، ورغبة سعودية بعدم إظهار نفسها متعاونة مع أمريكا وإسرائيل ضد الفلسطينيين من جهة أخرى.
صحيح أن ترامب كشف النقاب عن أن صفقته لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تقع في ثمانين صفحة، لكنه لم يقدم تفاصيل إجرائية حول مستقبل تنفيذ الصفقة، وماذا لو بقي الفلسطينيون مصرين على رفضها، مما يضع علامات استفهام عديدة حول مدى قدرة ترامب على تنفيذ صفقته، خاصة إن تزامن ذلك مع غياب مفاجئ للرئيس الفلسطيني محمود عباس عن المشهد السياسي.