مواجهة صفقة القرن بمبادرة مضادة

كل مبادرة هي انزياح لسياق الصراع ومحاولة لتغيير مساراته. وتمثل صفقة القرن محاولة لتحقيق انزياح حاسم لسياق الصراع لضمان وضعه في سياق جديد. و حتى لا يبقى الأردن في موقف الاعتراض الذي سوف يتآكل سريعاً تحت فاعلية النفوذ الامريكي، عليه أن يتقدم بمبادرة مضادة، تعيد الصراع إلى سياقه الذي يحفظ الحقوق ويصونها. فالتجارب العالمية  تؤكد أن الاعتراض كخيار وحيد لا تكفي لإدارة الهزائم وعكس موازين القوة، فالصخور تذوب وتضمحل في مجاري المياه مع مرور الوقت.
والمطلوب من الأردن، أن يتقدم وبشكل سريع، بمبادرة مضادة، تستطيع توظيف الموقف الدولي، وتحاصر اليمين الإسرائيلي، وتعزز فرص الحصول على شركاء لصناعة السلام المستدام، وتعزز بلورة سياق يخدم مصالح الأردن، وتعترض المخاطر، وتؤمن حاجة الأردن لمنصة جديدة للفاعلية الدولية والإقليمية، تنقذه من الخيارات الصعبة التي تفرضها التحولات في علاقات القوى الإقليمية.
إن الجلوس والمشاهدة بعيون خائفة تملؤها الدموع ليس خياراً. كما أن رهن مستقبل المنطقة، بالرهان على أطراف أخرى، لتقوم بمهمة اعتراض الصفقة، أو تغيير السياق مقامرة خطرة، ولها ثمنها. والامتناع عن تقديم مبادرة مضادة، في ظل ميزان القوى الراهن، استسلام غير مبرر لصفقة القرن. 
إن القول بعدم وجود خيارات وفرص للاشتباك بمبادرة مضادة، مقولة زائفة، تحول المنطقة إلى دول غير ذات صلة، وتديم أزمة الخيارات المشتقة من المشاعر الجريحة. إذ لا توجد قوة وزنها صفر، كما لا توجد بيئة مضادة بالمطلق. فكل لحظة تاريخية تمكن من تصميم واشتقاق خيارات مفيدة وممكنة، ومبنية على فهم موضوعي للفرص والإمكانات المتاحة.
والفرصة التي أبرزتها صفقة القرن هي وجود رصيد عالمي هائل يتفهم الرواية الفلسطينية والعربية للصراع، وأصوات في إسرائيل وواشنطن تساعد على قراءة موازين القوى بدقة. ومتاح للأردن أن يتقدم بمبادرة مضادة، إن لم تساهم في وقف تحويل سياق الصراع، على الأقل تقلل من سرعة هذا التحويل، وتمنح المنطقة الوقت الكافي للتكيف مع الحقائق الجديدة التي ستنشأ على الأرض بفاعلية موازين القوى الراهنة، التي يبدو أنها مستمرة للسنوات الخمس القادمة.

جمال الطاهات - الدستور