الدول الصغيرة في البيئة العالمية المعاصرة

فرص التقدم والازدهار والاستقرار في العالم المعاصر، لم تعد تقررها الموارد المحلية لأي مجتمع ولأي شعب. بل معادلات القوة الداخلية الضامنة للاستقرار، والتي تتجلى في الخيارات السياسية والاقتصادية والقانونية، والمزيج الابداعي والخلاق لثنائية الثقافة والأمن، والقدرة على بناء المعادلة الصحيحة بين الميزات المحلية، والأطر الإقليمية والعالمية.
أهم ميزة للعالم المعاصر، والتي تكشف مدى التطور في البيئة الدولية، أنه أنتج سوقاً عالمية حرة، ومحكومة بقواعد وأعراف التجارة. فكما أن الأسواق عبر التاريخ، لم تكن حكراً للأغنياء، فكل الأسواق في العالم لها قصصها وأساطيرها عن تحول فقراء معدمين مهمشين إلى أغنى الأغنياء. كذلك سوق العالمية المعاصرة. هذا المنجز حصاد حربين عالميتين، وعشرات من الحروب الصغيرة، ضريبتها أكثر من مائة مليون قتيل. فهو ليس منجز تلقائي قابل للإعاقة أو للتعطيل. والتحدي ليس اشتقاق تقييم لهذا لعالم، وإنما فهمه والتعامل معه بما هو عليه. فالعالم كما هو الآن، ليس خياراً للتصويت على قبوله أو رفضه (فهذه مرحلة انتهت). والتحدي هو فهم العالم المعاصر، والتكيف مع استحقاقاته، ضمن قواعد الوحدة والصراع. والحفاظ على المصالح الوطنية وتعظيمها بخوض الصراعات بموجب قواعده الجديدة.
فكما هي مهمة الدولة في أي مجتمع احتكار القوة، لمنع أي فرد أو جماعة من استعمال قوته، للحصول على ميزات تجارية بوسائل غير تجارية، وتحصيل ما ليس له به حق من السوق، كذلك تطورت علاقات القوة في العالم خلال القرن الماضي، ولكن عبر تشكل منظومة علاقات دولية جديدة، ميزتها عدم وجود قوة مركزية عالمية تديرها. لقد أنهت حروب القرن العشرين المنظومة الاستعمارية، التي تشكلت منذ القرن السادس عشر، والتي يتلخص مضمونها بإمكانية الحصول على مكاسب اقتصادية، وميزات تجارية بالقوة العسكرية. لقد انتهى عصر التجار المسلحين، الذين كانوا يقتلون أصحاب البضائع بعد توريدها، كما في أفريقيا وأمريكا اللاتينية. وانتهى عصر استعمال الأساطيل للحصول على مزايا تجارية، كما حصل مع الصين. وانتهت بحرب السويس عام 1956، فرصة الهيمنة على مزايا جغرافية خارج الحدود. صحيح أن فكرة توظيف القوة في السوق العالمية، لم تختفي بعد بشكل نهائي، ولكنها تحولت من القوة الخشنة إلى القوة الناعمة، قوة وفاعلية المنظومات والنظم المشغلة للسوق.
قواعد القوة الناعمة، في إدامة المصالح على المستوى العالمي، تنهي الكثير من أدوات السياسة المعروفة، وتتجلى في فهم وإدارة المنظومات الجديدة. إذ أن وسائل القوة التقليدية تفقد ميزاتها، مع تصاعد «توازن المخاطر»، ليس فقط على المستوى النظري، ولكن على المستوى العملي الواقعي. فإمكانيات التدمير المرعبة، والتي تتيحها الثورة التكنولوجية الرابعة للحروب غير المتوازية، تقلل احتماليات استخدام أدوات القوة التقليدية. وتحولت مهمات الجيوش، وهدف صيانة جاهزيتها، من خوض الحروب وكسبها، إلى منع الحروب وتجنبها، ليس فقط عبر ردع الخصوم، ولكن عبر إدارة أدوات القوة بمنطق وقواعد جديدة، أبرز ميزاتها انخفاض الحواجز بين العسكري والمدني. إذ أن صعود القوة الناعمة عالمياً، تلزم الجيوش على اعتماد المزيد من الادوات المدنية غير العسكرية، والأسلحة غير القاتلة.
وحتى لا تتكرر مأساة الماضي الاستعماري، الناتجة عن عدم مواكبة التحولات التقنية وأثرها على سلوك الدول، فإن الثورة المعرفية، مكنت الجميع من اللحاق بركب الحركة العالمية. ومنحت الجميع (بغض النظر عن موارده وحجمه) فرصة حماية مصالحة وتطويرها، عبر المشاركة في إدارة وتطوير المنظومات المشغلة للأسواق، إقليمياً وعالمياً. فلم يعد توفر الموارد، وغيرها من عناصر القوة التقليدية، شرطاً للاستقرار والتقدم والازدهار، بل بناء منظومات محلية فاعلة.

جمال الطاهات - الدستور