التعليم عن بعد ليس المشكلة والتعليم المباشر ليس الحل

عمان1:إنّ الشعبوية والعاطفة والانفعال يطغى كثيرا على النقاش الدائر حول التعليم عن بعد، وممّا غذّى ذلك الصعوبات التي واجهت هذه التجربة التي جاءت بشكل مفاجئ دون استعداد وتخطيط مسبق، فلم يكن الجهاز التعليمي مستعدا ولا الأهالي والطلاب ولم تكن البنية التحتية من شبكات وأجهزة ومنصّات تعليمية مهيّأة ومتوفرة على النّحو المطلوب.
وفي ضوء هذه المعطيات يمكن تفهّم المعارضة والرفض الشديد الذي ساد المشهد بالنسبة للتعليم عن بعد، والحقيقة أن هذا النوع من التعليم ليس بالسوء الذي يظنّه البعض، وكثير من السلبيات المطروحة ليست حقيقية، والحقيقيّ منها له حلول آنيّة وبعضها يحتاج إلى وقت ليس بالطويل نسبيّا حتّى يمكن التّغلب عليه.
التعليم عن بعد قادر على تقديم تعليم نوعيّ عالي الجودة، وإمكانية تجاوز عيوبه أفضل بكثير من فرص التعامل مع عيوب التعليم التقليدي وكلفة ذلك أقل بكثير. والتعليم عن بعد حلّ اقتصادي فعّال للتعليم، يرفع عن كاهل الأهل جهدا وعبئا ماليا كبيرا، ويرفع كذلك عن كاهل الدولة عبئا ماليا ضخما يُستنفذ في إنشاء المباني المدرسية تشغيلها وصيانتها، ورواتب الهيئات التعليمية والإدارية، وطباعة الكتب وما إلى ذلك، وقليل منه ينفق على تحسين نوعية التعليم وجودته.
التكنولوجيا الحديثة تخرج علينا كل يوم بابتكارات لا ينكرها أحد وتقدّم حلولا في كلّ المجالات مما غيّر وسيغّير جذريا معظم القطاعات الاقتصادية التي نعرفها اليوم، هناك مهن كثيرة أصبحت مهدّدة بفعل التقدم التقني تشمل حتى الأطباء والمحامين ومهن لم يتصور أحد أنه يمكن الاستغناء عنها، وكذلك الشركات وأماكن العمل وأشكال التوظيف تتغير فعليا بشكل لم يعد خافيا على أحد، فلماذا يظنّ البعض أنّ التعليم مستثنى من ذلك ولماذا الوقوف في وجه التيّار الجارف إذا كان ركوب التيّار يوصل إلى تحقيق ذات الأهداف وبفاعليّة أكبر؟
لا ننكر أن للتقدم التقني تأثير قد لا يكون مرغوبا على مهنة التعليم، وعلى المستثمرين في هذا القطاع، والمخاوف التي ترافق ذلك مشروعة ومبرّرة، ولكن لا بدّ من إدراك حقيقة أن التعليم عن بعد والتعليم الإلكتروني سيفرض نفسه وسيكون على الجميع التعامل مع هذه الحقيقة، ولا بدّ قبل الرفض المطلق للتعليم عن بعد من الإجابة بموضوعية عن أسئلة كثيرة ومن بينها الآتي:
-أليس الأفضل أن تتوحد الجهود لتصميم دروس تعليمية مُعدّة وفق أفضل المعايير وبأفضل التقنيات وتعميميها على جميع الطلبة بدلا من بعثرة الجهود في عشرات ألوف الحصص الصفية التي تقُدّم في ألوف المدارس قلة قليلة جدا منها يمكن ترتقي للمعايير التعليمية الصحيحة وتحقق الأهداف المنشودة؟
-أليس الأولى أن نتيح لأكبر عدد من الطلبة الاستفادة عن المعلمين المتمييزين الذين تُتيح نُظم التعليم عن البعد الاستفادة منهم، بدلا من نُلزم الطلاب بمعلمين أقل كفاءة في مدارسهم؟
-إذا كان بالإمكان تقديم تعليم أفضل أو حتى بذات المستوى بكلفة أقل؛ فلماذا التمسك بنمط تقليدي من التعليم؟
-بدلا من إنفاق ملايين الدنانير على الأبنية المدرسية؛ أليس الأفضل أن تستثمر هذه الأموال لتقديم تعليم أكثر جودة وتحقيقا للأهداف؟
-أليس الأولى إن تُوجّه الطاقات والمصادر إلى مجالات أكثر نفعا وإنتاجية، بدلا من الحفاظ على الوظائف كنوع من البطالة المقنعة؟
الحقيقة أن التعليم عن بعد فيه ميزات كثيرة إنْ أُحسن توظيفه، ويلبّي جانبا كبيرا من الحاجات التعليمية، ولا شكّ كذلك أنّ التعليم المباشر يلبّي جوانب تعليمية أخرى أساسية لا يمكن غضّ الطرف عنها، وصحيحٌ كذلك أنّ كلا النوعين من التعليم لنْ يقدّما تعليما فعّالا إنْ لم تتوفر فيهما الشروط والمعايير الصحيحية.
إنّ القيمة الأكبر للتعليم تتحقق بالدمج بين هذين النوعين، فيُوظّف كلّ منهما فيما هو أكفأ وأقدر على تحقيقه، فالتعليم عن بعد هو الأفضل في الغالب في تحقيق الأهداف المعرفية، أما الأهداف الوجدانية والحركية فينفع فيها أكثر التعليم المباشر، وينطبق هذا أيضا على الصفوف الدنيا، ولكن التعليم المباشر بهذه الصورة يلزمه استبدال المدارس بما يشبه النوادي والمعسكرات التي تتيح للطلاب اكتساب المهارات الاجتماعية والتطبيقات العملية وتكوين الاتجاهات والقيم، بالإضافة إلى تقديم الإمتحانات التي تستلزم ضبطا لا توفره التطبيقات التقنية المتاحة الآن.
وهذا الدور الجديد للمؤسسة التعليمية (المدرسة) يستدعي بالضرورة شكلا مختلفا ودورا وأهدافا وسياسات عمل مختلفة ومرافق وأعدادا وتوزيعا وجداول عمل مختلفة، وكوادر ذات طبيعة مختلفة وواجبات وقدرات ومهارات ومعارف مختلفة أيضا.
كلّ المهن في صراع مع الزمن، ولا بد من الانفتاح على التقدم التقني المتسارع، والتعامل مع المستجدات، وتطوير الأدوار والأدوات والممارسات بما يتلائم مع ما يفرضه الواقع المتجدّد باستمرار، والتعليم ليس بمعزل عما يدور من حولنا، ومن كان حريصا على التعليم وعلى المعلم يجب عليه أن يستقرأ المستقبل ويهيئهما له.

عصام فريحات

المصدر: عمون