نظرية النظم وأحلام الثورات

عمان1:(ان ... الشيء الذي صنعه [الثوارت لا يشبه البتة ذلك الذي ارادوه)، بهذه العبارة لإنجلز، بدأ الاستاذ جميل النمري مقاله، يوم الخميس الماضي 29/10/2020، تحت عنوان «عصر ما بعد الثورات وما بعد الديمقراطية». فالثورات، كما كل الصراعات والتحولات التاريخية والمنجزات العلمية، تنتج واقعاً مختلفاً عن أحلام منفذيها، لا يمكن هندسته، وتقود إلى «مسارات جديدة لم يخطط لها أحد». وهذا دليل على خطأ السعي، لاحتواء التحولات التاريخية والإنسانية، وفهمها بقواعد ومقايسات هندسية بسيطة. إن «العقلانية المتعالية» تقدم فهماً محدوداً للحياة والتاريخ، وبديلها فهم آخر يستند إلى نظرية النظم، التي ترى الصراعات تعديل لمسارات الماضي، ومعادلة جديدة لاقتسام مواريثه، بإعادة انتاج الحاضر، من أجل مستقبل مختلف. 

فالثورات والصراعات، لا يمكن اختزالها بالصور التعبوية للمستقبل وممكناته. «الثورات منتج اليأس»، من الواقع وجذوره الماضية، كما يراها بريان كروزوير، محرر نشرة، «دراسات الصراعات»، والتي توقف صدورها قبل صعود نظرية النظم. آمال المستقبل ليست أكثر من دعوة لصناعته. الثورة لا تملك المستقبل، وليست هي من ينتجه، وإنما تطلق ديناميكا جديدة لصناعته. 

مهمة الثورات تعديل قواعد ومسارات الصراع الاجتماعي، وليس إلغاءه. فهي رواية جديدة لقصة اليوم، واسترداده من الأمس المفقود، بالأكاذيب والخرافات الجميلة، وليست «ماكينة» لصناعة الغد. فالثورات لم تكن يوماً إلا «استعادة للحاضر»، على امل «أن يكون للغد ماضي مختلف». فهي، صراع على الحاضر، لتخليصه من الاختناق بالماضي المسروق والمشوه. وهي ليست فعلاً نكتشف انضباطه بقواعد هندسية متخيلة للزمن. بل هي هندسة تجدد قواعدها، بتجديد الزمن، وتكشف بهذا التجدد، وهم ومحدودية «التعالي العقلاني» على تاريخ الحياة وممكناتها. 

الثوار لا يصنعون المستقبل. إنهم يؤثثونه ببعض أحلامهم وغواياتهم، ويزيلون العقبات التي تغلق بعض المسارات نحوه. ولكنهم لا يستطيعون إنجاز الثورة (تعديل ديناميكيات الحاضر)، وصناعة المستقل والوصول إليه. إن آلام التغيير (بالثورة وبدونها)، هي للتخلص من قيود الحاضر، المصنوعة بالتشويه المتعمد لوعود الماضي. إنها استعادة وتحرير للماضي من الممارسات الفاسدة التي حولته إلى كذبة. وهذه الاستعادة تتحقق بتصحيح المسار، وربط المسقبل بوعود حاضر جديد. 

خيبة الثوار، منتج لتجاهل محدودية وسائل الانتاج والمنظومات التي تفرضها. فالتخلص من الممارسات التي أفسدت وعود الماضي، لا تضمن مستقبل مختلف. فالمستقبل، كما الحاضر، منتج للوسائل ومنظومات استعمالها. فالثورات تعديل للمسار نحو غد ممكن، بتحرير الحاضر من بعض مكوناته، التي تعيق استعمال ادوات ومنظومات عمل جديدة. فالثورة، خيبة مؤكدة، إن لم تفتح الطريق لوسائل عمل جديدة. فمن السذاجة الاعتقاد، بإمكانية تعديل المسارات نحو المستقبل، دون استعمال وسائل ونظم انتاج جديدة.  

لينين، قال بأن «الثورات لا تغير كل شيء دفعة واحدة». فهناك تفاصيل وعناصر تبقى بالرغم من الثورات، وهي التقنية وإملاءاتها التي سادت قبل الثورة، وتستمر بعدها. وما تتيحه الثورة هو تجديد هذه التقنيات، وتطويرها على أمل انطلاق المسيرة نحو مستقبل مختلف، بعد تغيير الحاضر، وإزالة العقبات التي كانت تعيق التجديد والتطوير. 

وما يجعل عصبية ابن خلدون، غير كافية لتفسير الثورات الحديثة، أن الاخيرة، تستند إلى التحولات الكبرى في التقنيات ووسائل العمل، وانماط الانتاج. إذ يصف ابن خلدون الصراع على السلطة، بحلقة دائرية لا تفضي إلى مسارات جديدة. لكن الثورة العلمية التكنولوجية، فرضت حركة التقدم نحو ممكنات غير مكتشفة، للرفاه والتطور المستمر. فالثورات الحديثة، باعتبارها «قابلة» لتوليد المستقبل، تصدت لمهمتين متكاملتين: الأولى تأثيث صور المستقبل بمعادلات ممكنة لتوزيع السلطة والموارد، والثانية إزالة العقبات، التي تمنع «بدء العمل» لتحقيق هذه المعادلات. 

جمال الطاهات - الدستور