«حق الإنسان أن يكون مفهوماً» وسيلة لاحتواء التطرف

عمان1:التطرف ظاهرة إنسانية دائمة ومتكررة، وإن اختلفت أشكالها وتجلياتها، مما يقتضي العمل الدائم لمواجهتها، ليس عبر مجموعات وتشكيلات احترافية، ولكن بتعزيز مناعة المنظومات الإنسانية والمجتمعات ضدها. وعلم الاحصاء يعتبر التطرف جزء من طيف الخيارات المتاحة على منحنى التوزيع الطبيعي. والخيارات القصوى صفة موجودة في أي منظومة يمكن التعبير عنها إحصائياً. فلا يوجد متن بلا هوامش. ولكن التحولات السياسية والتقنية والإعلامية المستجدة، نقلت التطرف من كونه حالة هامشية يمكن إهمالها، إلى تهديد حقيقي لديمومة المنظومات ومتونها. 

وعند تحليل الأزمات، يلاحظ وجود المتطرفين المتشابهين على طرفي خطوط الاشتباك. فهناك متطرفون، وهناك أشباههم (وربما في بعض التحليلات شركائهم)، وهم المتطرفون في محاربة التطرف. كلاً منهم، يريد تحييد المتون الاجتماعية وأخذها رهينة. إذ أن ديناميكيات الحياة السياسية تمنح المتطرفين الفرصة لأخذ الجميع رهينة أرائهم ومواقفهم. وما يمنح المتطرفين على طرفي خطوط الاشتباك هذه الميزة، هو غياب الاعتدال، وربما التغييب المتعمد له، ومنع اكتسابه للفاعلية الإيجابية. إذ أن تغييب الفاعلية الإيجابية للاعتدال، بحجة التفرغ لمواجهة المتطرفين، يخدم المتطرفين على طرفي خط المواجهة، ويمنحهم الفرصة لتهديد البنى السائدة، وأخذ المتون الاجتماعية رهينة، لانفاذ وتمرير خيارات وخطوط اشتباك ومعارك، مصممة لخدمة شقي التطرف بشكل حصري واحتكاري. فمواجهة التطرف بالتطرف، قصة قديمة هدفها إدامة الصراع، وليس تحقيق النصر. 

إن الاعتدال العاجز المفرغ من مضمونه، الذي لا يكتسب هويته إلا من خلال أنه ليس تطرفاً، هو خيار سلبي لا قيمة له ولا وزن ولا مضمون. سوى أنه يبقي المتون الاجتماعية في حالة سلبية تخدم خيارات المتطرفين، وتمكنهم من أخذ المجتمعات رهينة لهم. من جهة أخرى، فإن الأزمات (والتي أهم مظاهرها غياب الخيارات وعدم وضوحها)، تجعل من سلبية الاعتدال وعجزه أهم فرصة للمتطرفين، ليقدموا أنفسهم باعتبارهم الأقدر على تقديم الخيارات، التي تكتسب معقوليتها بسبب غياب الخيارات العقلانية البديلة. لذلك فإن تحويل الاعتدال إلى فاعلية إيجابية  أهم شرط لاحتواء خطر التطرف.

فكرة حق الإنسان أن يكون مفهوماً هي وسيلة ليسترد المجتمع مصيره، وتحريره من كونه رهينة للمتطرفين، وممن يدعون أنهم يحاربونهم نيابة عن المجتمع. وهي ليست اداة مصممة لمحاربة نوع محدد من التطرف، بل وسيلة لتحصين المجتمع ضد كافة اشكاله التي تستند إلى الخداع والتضليل. إذ أن توحيد وتكامل ركني الفهم الموضوعي (الاختلاف والتشابه) كفيل بتحويل موقف الاعتدال من حالة سلبية إلى خيار إيجابي فعال. فلا يعود بالإمكان تضليل المجتمعات من خلال ترويج الاختلافات، وتجاهل التشابه. إذ أن تعميم وحدة وتكامل الاختلاف والتشابه عبر التعليم، ستمنح المجتمعات مناعتها الخاصة ضد قطبي التطرف: من يصنف رسمياً بأنه متطرف، ومن يدعي بانه يحاربه نيابة عن الجميع. وسينهي لعبة استقطاب الهويات والثقافات، ويفتح الباب للتخلص من مظهرها الراهن: (لعبة) بين محترفين وسط جمهور يتابع الصراع ويكتفي بالتصفيق، وتشجيع هذا الفريق أو ذاك. 

لن يختفي المتطرفون، وسيبقى وجودهم واقعة متكررة في كل الازمان وعبر كل المجتمعات، إلا أن تمكين المجتمعات من خدمة قضاياها بالاعتماد على الفهم الموضوعي، أهم وسيلة للتحرر من التطرف وصناعة الجهل والتضليل. وفكرة حق الإنسان أن يكون مفهوماً، وسيلة لإنتاج مناعة اجتماعية دائمة لاحتواء كافة أشكال التطرف، وكسر ديناميكا انتاجه وإدامته (متطرفون يمنحون الفرصة لأشباههم لاحتكار مهمة محاربتهم). فمنهجية تكامل الاختلاف والتشابه، لتشكيل المواقف واشتقاق الخيارات، ليست مجرد موعظة في سجال دائم، بل انزياح حاسم للحوار الاجتماعي، وانهاء لارتهان المجتمعات لمنطق التطرف.  جمال الطاهات - الدستور