قانون العفو العام لسنة 2019 بين الدستورية وشبهة عدم الدستورية

عمان1-الغد : بقلم الاستاذ الدكتور كامل السعيد

يتعين علي ابتداءً أن أتقدم بجزيل الشكر والامتنان إلى رأس الدولة وتاجها على توجيه رغبته السامية للسلطة التشريعية صاحبة الاختصاص الأصيل بالتشريع للعمل على إصدار قانون العفو العام، لما لهذا القانون من آثار ايجابية على المجتمع، فعلل إصداره تتمثل بالتهدئة وإسدال ستار النسيان على جرائم ارتكبت بظروف اجتماعية سيئة، فيريد الشارع بهذا النسيان لتلك الجرائم أن تحذف من الذاكرة الاجتماعية كي يتهيأ لاستقبال ظروف اجتماعية جديدة والمضي قدماً بمرحلة لا تشوبها ذكريات الظروف السابقة، ولذلك يصدر العفو العام في الأعم الأغلب عقب فترات من الاضطراب الاجتماعي أو السياسي، وتكون موضوعاته أفعالا ذات صلة بهذا الاضطراب.
يخيل إلي وأنا أتصفح بعض مواد قانون العفو العام أنني أمام قانون عقوبات يتم فيه تعديل نصوص واردة فيه، لا أمام قانون عفو عام يتم بموجبه العفو عن جرائم محددة وردت بـ”العقوبات”، كما أن ما ورد بهذا القانون من نصوص من شأنه عدم السريان الفوري لقانون العفو العام إلا بإجراء عقوبات مخفضة أو شروط أخرى يتعين القيام بها ممن سيشملهم “العفو”، إنما تتعارض مع صفة قانون العفو العام الذي يتميز بأثر فوري ورجعي يعود إلى وقت ارتكاب الجريمة لا إلى تعليق ذلك على شرط تخفيض العقوبات أو إجراء التسويات التي سيشار اليها بعد لحظات.
والجدير بالذكر أن الحديث عن الإعفاء عن العقوبات أو تخفيضها مجاله هو العفو الخاص المنصوص عليه في المادة (38) من الدستور في قولها “للملك حق العفو الخاص وتخفيض العقوبة وأما العفو العام فيقرر بقانون خاص”. كما نصت المادة (51/1) من قانون العقوبات على: “يمنح جلالة الملك العفو الخاص بناء على تنسيب مجلس الوزراء مشفوعا ببيان رأيه”، في حين نصت الفقرة الثالثة من المادة ذاتها على أن “العفو الخاص شخصي ويمكن أن يكون بإسقاط العقوبة أو إبدالها أو تخفيضها كليا أو جزئيا”، ولا شك أن المشرع الدستوري بنصوص المواد السابقة منه قد اعتبر العفو العام كما العفو الخاص من المبادئ الدستورية.
وعلة تقرير العفو العام بقانون، هي أنه يرد على نص التجريم في قانون العقوبات فيعطله، فالقانون لا يعطله الا قانون مثله (أو دستور أسمى منه)، ولهذا فإن الشبه كبير بين العفو العام وسبب التبرير أو (الإباحة)، من حيث أن كليهما يسلخ الصفة الجرمية عن الفعل وينفي الركن القانوني للجريمة، وان كان الخلاف بينهما يتمثل في أن قانون العفو العام يشمل عادة عدداً محدوداً من الأفعال الجرمية، فيستثنى من نطاقه جرائم خطيرة قد تمس أمن الدولة كالخيانة والتجسس أو جرائم أخرى كالاختلاس أو جرائم القتل، في حين أن سبب التبرير لا يعرف مثل هذه الاستثناءات، كما أن العفو العام يشمل الجريمة في أي مرحلة تكون عليها الدعوى مفصولة أم منظورة فيما يثار الدفع بأسباب التبرير أثناء المحاكمة وترد في منطوق قرار الحكم.
فمتى ما تحقق أي منهما بأركانه وشرائطه شمل الجريمة مهما كان نوعها، وكذلك فإن هدف كل منهما مختلف، فهدف العفو العام، هو فتح صفحة جديدة بالنسبة للجرائم المشمولة به ومرتكبيها وطي صفحة الماضي بالنسبة لجرائم ارتكبت في ظروف اجتماعية معينة كالتمرد أو العصيان أو الاضطرابات السياسية التي مرت فيها البلاد بمرحلة استثنائية معينة، في حين أن علة سبب التبرير هي مقارنة الشارع بين حقين والتضحية بأحدهما قرباناً للآخر،لأن الحق المهدور اقل شأنا من الحق الآخر، ولم يكتف الشارع الأردني بالنص على العفو العام في الدستور بل نص عليه في قانون أصول المحاكمات الجزائية وقانون العقوبات معاً.
فنصت المادة (50/1) من قانون العقوبات على أن ” يصدر العفو العام عن السلطة التشريعية”، وهذا النص هو تكرار لنص المادة (38) من الدستور، وسبب صدور العفو العام عن السلطة التشريعية هو أن هذا القانون يعطل نصوص التجريم بقانون العقوبات، وان السلطة المختصة بإصدار القوانين هي السلطة التشريعية، أما الفقرة الثانية من المادة (50) من قانون العقوبات، فقد نصت على أن “يزيل العفو العام حالة الإجرام من أساسها ويصدر بالدعوى العمومية قبل اقترانها بحكم وبعد الحكم بها وبحيث يُسقط كل عقوبة أصلية كانت أم فرعية ولكنه لا يمنع من الحكم للمدعي الشخصي بالالزامات المدنية ولا من إنفاذ الحكم الصادر بها”، وهكذا يتبين من هذا النص أن صدور العفو العام بعد صيرورة الحكم مبرماً يكون له اثر رجعي من حيث انه يزيل الحكم الصادر بحق المحكوم عليهم بأثر رجعي، لأنه يزيل حالة الإجرام من أساسها، وتزول تبعاً لذلك جميع آثار الحكم الجزائية دون تفرقة بين أثر وآخر، فتسقط العقوبات التي قضى بها الحكم الزائل كافة، مهما كان نوعها، وإذا كان يمتنع على سلطات التحقيق اتخاذ أي إجراء للملاحقة أو تحريك دعوى الحق العام في حال صدور العفو العام بمرحلة ارتكاب الجريمة وقبل تحريك دعوى الحق العام فيها، فإنه يمتنع على النيابة العامة أيضاً كسلطة لتنفيذ الأحكام الجزائية القيام بأي إجراء لتحقيق هذا الغرض، ويتصل بهذا، أن ما لم ينفذ من العقوبات لا يجوز تنفيذه، فلا مجال لتنفيذ باقي العقوبات من حبس أو اعتقال أو أشغال أو إعدام إذا لم تكن قد نفذت، ولا مجال لاستيفاء الغرامات التي لم تستوف، ولا مجال للمصادرة عندما تكون عقوبة إضافية جوازية، وأما الغرامات أو الرسوم التي استوفيت أو الأشياء التي صودرت، فقد حظرت الفقرة الثانية ردها، ولولا هذا النص لتعيّن ردها ممن استوفيت منهم لأنها من الآثار الجزائية للحكم في وقت زال معه الحكم من الوجود القانوني.
أما إذا كانت المصادرة تدبيراً احترازيا فيصادر الشيء محل هذا التدبير إداريا، كما ولا يعتبر الحكم سابقةً في التكرار ولا يحول دون الحصول على وقف التنفيذ، ولا يجوز للمحكوم عليه أن يطلب رد الاعتبار لنفس السبب.
وبالنظر لأن العفو العام ينحصر أثره بمحو أو سلخ الصفة الجرمية عن الفعل، فإنه يترتب على ذلك أن يفيد منه كل مساهم أو شريك أو متدخل أو محرض، لأنه يكون قد ساهم أو شارك في فعل لم يعد مجرماً، كما أن هناك أثراً ثانياً تبينه المادة ( 50/2) من قانون العقوبات كنتيجة لمحو الصفة الجرمية عن الفعل ، وهو عدم جواز أن يمنع العفو العام الحكم للمدعي الشخصي بالالزامات المدنية، ولا من الحكم الصادر بها، لان الفعل وان أصبح غير مجرم، الا انه بقي فعلاً ضاراً يُلزم مرتكبه بالتعويض، وإذا ما نص قانون العفو العام على سقوط الدعوى المدنية أو الحكم الصادر فيها، رغبة في عدم إثارة الجريمة على أي وجه ، تعيّن على الدولة أن تعوض من لحقه ضرر من الخزينة العامة قياساً على الاستملاك للمنفعة العامة. وغني عن البيان انه لا يجوز للمحكوم عليه أن يطالب بالتعويض عن الأضرار التي أصابته من تنفيذ العقوبات قبل صدور قانون العفو العام ، فذلك وضع واقعي تحقق بالفعل ولا مجال للمساس به.
ولم يكتف الشارع بالنص على العفو العام في الدستور وقانون العقوبات، بل نص عليه ايضا في قانون أصول المحاكمات الجزائية، حيث نصت المادة (337/1) من هذا القانون على أن “تسقط دعوى الحق العام في العفو العام” في حين نصت الفقرة الثانية من المادة ذاتها على أن “وتبقى دعوى التعويض من اختصاص المحكمة الواضعة يدها على دعوى الحق العام حين صدور العفو العام، وإذا لم ترفع الدعوى فيعود الاختصاص إلى المحكمة الحقوقية المختصة”.
وهكذا يلاحظ أن قانون العفو العام وآثاره سواءً أكانت هذه الآثار جزائية أم حقوقية ، تنصب على محو أو سلخ الصفة الجرمية عن الفعل نهائيا وفوراً ، فتسقط أو تتهاوى حكماً مع سلخ هذه الصفة الجرمية أو محوها كل العقوبات المترتبة على الفعل الذي كان مجرماً قبل شموله بالعفو العام ، الأمر الذي لا يصح معه الحديث عن عقوبات الجرم المعفو عنه فيصار مثلا إلى تخفيضها أو تعليق سريان نفاذ قانون العفو العام على هذا التخفيض، فالتخفيض أو الإعفاء أو التشديد في العقوبات ، مجاله قانون العقوبات لا قانون العفو العام كما لا يجوز تعليق سريانه أو تنفيذه على شروط تتعارض مع طبيعة قانون العفو العام وأهدافه، وفي مقدمتها طي صفحة الماضي منذ صدوره بالنسبة لإجراء شملها هذا القانون .
وفي الإجمال فانه لا مجال لأية شروط يكون من شانها تعليق زوال الصفة الجرمية عن الفعل المعفو عنه منذ صدور قانون العفو العام ، فالدستور وان نص في المادة (38) منه على أن العفو العام يكون بقانون على اعتبار أن السلطة التشريعية هي صاحبة الاختصاص الأصيل في التشريع ، الا انه لم يُجِز لها في هذا القانون ، أن تضيف للنص الدستوري ما ليس فيه تطبيقا لمبدأ سمو الدستور، فالدستور يعلو ولا يعلى عليه، بالإضافة إلى مبدأ التدرج التشريعي كمبدأ دستوري ، مؤداه عدم جواز أن يضيف النظام للقانون ما ليس فيه ، وعدم جواز أن يضيف القانون للدستور ما ليس فيه.
وأما المواد التي وردت في قانون العفو العام ونرى أنها غريبة عليه كون مجالها هو قانون العقوبات أو العفو الخاص لا قانون العفو العام فهي:
اولا: تنص المادة (4) من قانون العفو العام على ما يلي “على الرغم مما ورد في المادة (3) من هذا القانون تخفض العقوبة المقررة للجرائم المرتكبة قبل تاريخ 12/12/2018 المقترنة بإسقاط الحق الشخصي:
تنص الفقرة ب من المادة (3) من مشروع قانون العفو العام على انه يشمل الإعفاء المنصوص عليه في الفقرة أ من المادة 2 من هذا القانون الجرائم التالية سواء بالنسبة للفاعل الأصلي أو الشريك أو المتدخل أو المحرض كما يشمل الإعفاء الشروع أي منها إذا اقترنت بإسقاط الحق الشخصي أو دفع أصل المبلغ المطالب به أو المبلغ المحكوم به ولو اكتسب الحكم الدرجة القطعية:

  1. جرائم القتل المنصوص عليها في المادة 326 والفقرتين 1 و 3 من المادة (327) من قانون العقوبات والشروع المنصوص عليه في الفقرتين 2 و 4 من المادة (327) والشروع المنصوص عليه في المادة (328) من قانون العقوبات.
  2. الجرائم التسبب بالوفاة خلافا لأحكام المادة 343 من قانون العقوبات والمادة 27 من قانون السير .
  3. جرائم الضرب المفضي إلى الموت المنصوص عليها 330 من قانون العقوبات .
  4. جرائم إيذاء الأشخاص المنصوص عليها في المادتين (334 و 335) من قانون العقوبات.
    5- جرائم المشاجرة المنصوص عليها في المادة 338 من قانون العقوبات .
  5. جرائم الاحتيال وجرائم الشيك وجرائم إساءة الائتمان المنصوص عليها في المواد من (417 – 421 ) والمادة (423) من قانون العقوبات .
  6. جرائم الإفلاس الاحتيالي المنصوص عليها في الفقرة 1 من المادة 438 والمادة 439 من قانون العقوبات وجرائم الغش في نوع البضاعة المنصوص عليها في المادة 433 من قانون العقوبات .
  7. جرائم الافتراء وشهادة الزور واليمين الكاذبة المنصوص عليها في المواد 210 و 214 و 221 من قانون العقوبات .
  8. الجرائم المرتكبة خلافا لأحكام المواد (379 و 455 و 456 )من قانون العقوبات والجرائم المرتكبة خلافا لأحكام كل من قانون سلطة المياه وقانون الكهرباء
  9. جرائم الحرق خلافا لأحكام المواد (368 – 373) من قانون العقوبات .
  10. جرائم السرقة الجنائية والسلب المنصوص عليها في المواد (400 – 405 )من قانون العقوبات إذا كان غير مكرر لأي من الجرائم المذكورة في هذا البند.
  11. جرائم التزوير المنصوص عليها في المادة (265) من قانون العقوبات .
    ثانيا: تنص المادة (4) من قانون العفو العام انه على الرغم مما ورد في المادة (3) من هذا القانون تخفض العقوبة المقررة للجرائم المرتكبة قبل تاريخ 12/12/2018 المقترنة بإسقاط الحق الشخصي إلى:-
    أ‌. نصف العقوبة المحكوم بها في جريمة القتل المنصوص عليها في الفقرتين (2) و (4) من المادة (327) من قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 .
    ب‌. 1 – لمدة خمس عشرة سنة إذا كانت العقوبة المحكوم بها الإعدام في جريمة القتل المنصوص عليها في المادة (328) من قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 الا إذا كانت مقترنة بجناية غير مشمولة بأحكام هذا القانون.
  12. نصف العقوبة إذا كانت العقوبة المحكوم بها بموجب المادة (328) من قانون العقوبات اقل من عقوبة الإعدام الا إذا كانت مقترنة بجناية غير مشمولة بأحكام هذا القانون.
    ثالثا: ينص البند (23) من الفقرة أ من المادة (3) من القانون على انه لا يشمل الإعفاء: “الجرائم المرتكبة خلافاً لأحكام قانون الإقامة وشؤون الأجانب رقم (24) لسنة 1973 ما لم يوفق أوضاعه وفق أحكام القانون خلال 180 يوما من تاريخ نفاذ أحكام هذا القانون”.
  • الاستاذ الدكتور كامل السعيد .. استاذ القانون الجنائي والقاضي والعضو الأسبق بالمحكمة الدستورية ومحكمة التمييز ووزير الدولة لشؤون رئاسة الوزراء والتشريعات سابقا.