34 عاما على انتفاضة الحجارة الفلسطينية ضد الاحتلال

عمان1:يصادف الثامن من كانون الأول/ ديسمبر، مرور الذكرى الـ 33 لاندلاع  "انتفاضة الحجارة" في فلسطين المحتلة التي تفجرت في مثل هذا اليوم من عام 1987 ضد الاحتلال الإسرائيلي، واستمرت حتى عام 1994.
وأطلق اسم "انتفاضة الحجارة" على تلك الثورة الشعبية، لأن السلاح الفلسطيني فيها كان الحجر مقابل الأسلحة الرشاشة.
من مخيم جباليا في قطاع غزة انطلقت انتفاضة الحجارة، عقب استشهاد أربعة عمال على حاجز بيت حانون "إيريز" الاحتلالي عام 1987، بعد أن أقدم المستوطن المتطرف "هرتسل بوكبزا" على دهسهم بشاحنته.
في صباح اليوم التالي، عم الغضب مخيم جباليا، وانطلقت المظاهرات العفوية الغاضبة، والتي تحولت إلى مواجهات عنيفة مع قوات الاحتلال، أدت إلى استشهاد الشاب حاتم السيسي، ليكون أول شهيد في الانتفاضة.
متدحرجة من مخيم جباليا، إلى مخيم بلاطة ونابلس، سارت الانتفاضة إلى مجدها وعلوها، فاستشهد في 10 كانون الأول 1987، الفتى إبراهيم العكليك (17 عاما)، ولحقه في 11-12-1987 الشابة سهيلة الكعبي (19 عاما)، والفتى علي مساعد (12 عاما) من مخيم بلاطة، ثم قامت الانتفاضة.
في البداية أطلق عليها "انتفاضة المساجد" كون كل الفعاليات الاحتجاجية كانت تنطلق من المساجد، ثم ما لبث أن تحول اسمها إلى "انتفاضة الحجارة" كون الحجر كان السلاح الوحيد بيد الفلسطينيين لمواجهة قوات الاحتلال المدججة بالسلاح.
واستمرت الانتفاضة سبع سنوات وهي تدور، في كل بيت، وعائلة، وقلم، ومنبر، وجدار، وشارع، وحارة، وحي، ومدينة، ومخيم، وقرية في الضفة، وغزة، والقدس المحتلة، وأراضي عام 1948.
وتشير معطيات مؤسسة رعاية أسر الشهداء والأسرى إلى: استشهاد 1550 فلسطينيا خلال الانتفاضة، واعتقال 100- 200 ألف فلسطيني، وتشير معطيات مؤسسة الجريح الفلسطيني إلى أن عدد جرحى الانتفاضة يزيد على الـ70 ألف جريح، يعاني نحو 40% منهم من إعاقات دائمة، و65% يعانون من شلل دماغي أو نصفي أو علوي أو شلل في أحد الأطراف، بما في ذلك بتر أو قطع لأطراف هامة.
وكشفت إحصائية أعدتها مؤسسة التضامن الدولي، أن 40 فلسطينيا استشهدوا خلال الانتفاضة داخل السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية، بعدما استخدم المحققون معهم أساليب التنكيل والتعذيب لانتزاع الاعترافات.
وبدأت "انتفاضة الحجارة" بالإعلان عن فعالياتها في ذلك الوقت الذي لم يكن يشهد ثورة الإنترنت ولا مواقع التواصل، عبر بيانات مكتوبة، كانت تطبع بشكل سري، كما عمدت الفصائل الى إعلان الفعاليات من خلال الكتابة على جدران المنازل. ونجح الفلسطينيون في إيصال صوتهم المنادي بزوال الاحتلال إلى كل العالم.
وتعد "الانتفاضة" من أهم المراحل التي شهدتها القضية الفلسطينية في العصر الحديث.
وشكّلت الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين "من سرقة الأراضي، وبناء المستوطنات، وجباية الضرائب، والاعتقال والحصار"، دافعا قويا لاندلاع تلك التظاهرات، وفق مؤرخين.
ورغم استخدام الفلسطينيين للتظاهرات والحجارة في الاحتجاجات، إلا أن إسرائيل قابلت ذلك باستخدام العنف المفرط، وردت بإطلاق النار على المتظاهرين ما أدى إلى استشهاد وجرح الآلاف.
وتبنى الاحتلال، سياسة ما يعرف بـ"تكسير العظام"، حيث عمد الجنود، تنفيذا لقرار وزير الحرب الإسرائيلي آنذاك، إسحاق رابين، إلى ضرب راشقي الحجارة، بالعصي، بهدف كسر أطرافهم.
واستمرّت الانتفاضة لمدة 6 سنوات، قبل أن تنتهي بعد توقيع اتفاقية أوسلو بين الاحتلال ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993.

سياسة "تكسير العظام"

يعد مشهد التقطته كاميرات الصحافة، لجنود يضربون فلسطينيَين اثنين، بوحشية، مستخدمين الحجارة بهدف تكسير أطرافهم، تنفيذا لسياسة "تكسير العظام" لأيقونات الانتفاضة الأولى.
وتسبب ذلك المشهد، الذي وقع في 26 شباط/ فبراير عام 1988، ردود فعل كبيرة على المستوى الدولي.
ويظهر في المقطع المصور مجموعة من الجنود الإسرائيليين، ينهالون بالضرب على فلسطينيين اثنين بالحجارة على سفح مكان مرتفع.
ويقول جودة، إنه تعرض للاعتداء الوحشي على سفح تل، قرب قريته "عراق التايه" القريبة من مدينة نابلس (شمالا)، حينما كان مع ابن عمه، أسامة جودة.
ويوضح أنه كان يبلغ آنذاك 17 عاما، فيما كان ابن عمه أسامة، يكبره بعام واحد.
وفي حديث صحفي يقول جودة لوكالة الأناضول التركية، إنه تعرض لسياسة "تكسير العظام" التي انتهجها الجيش الإسرائيلي لقمع الانتفاضة، بتعليمات من رابين.
يسرد "جودة"، قصة الاعتداء الوحشي، قائلا: "الحدث ليس عاديا أو عابرا، أظنه وساما للقضية الفلسطينية، ووصمة عار في جبين الاحتلال".
وتابع: "كنت عائدا مع ابن عمي، بقطيع الأغنام على قمة جبل بجوار نابلس، صادفنا جنود مدججون بالسلاح، انهالوا بالضرب المبرح علينا، استخدموا الحجارة خلال الاعتداء، شعرنا بأننا سنموت".
وأكمل: "لم يكتفوا بالضرب، بل تم سحلنا مسافة كيلومتر، وتم اعتقالنا".
ويضيف: "حتى اليوم عندما يتذكر الناس تلك الحادثة يتساءلون: كيف ما زلنا على قيد الحياة؟".
ويقول جودة، إن من المفارقات، أن الضرب الوحشي، لم يتسبب بكسور له ولابن عمه في عظامهما، وأضاف: "كانت الحجارة علينا رحيمة، لم تكسر عظامنا رغم شدة الضرب".
ويكشف جودة أن الصدى الكبير الذي أحدثه المشهد، على المستوى العالمي، دفع المخابرات الإسرائيلية، إلى تصويره وابن عمه، وعرضه عبر وسائل الإعلام، قبل أن يتم إطلاق سراحهما.
وعن هذا يضيف: "في اليوم الثاني لاعتقالنا، تم تجهيزنا بلباس خاص، وعرضنا ضباط المخابرات أمام وسائل الإعلام".
ويكمل: "الضابط الإسرائيلي أخبرنا أن العالم يعتقد أننا قد فقدنا الحياة بسبب الضرب، لذلك تم عرضنا على وسائل الإعلام وأفرج عنا في ذات اليوم".
ويشير إلى أن إسرائيل ارتكبت الكثير من الجرائم المشابهة بحق الفلسطينيين، إبان الانتفاضة، لكنها لم تجد من يوثقها ويعرضها للعالم، كما حدث معه.
كان الشباب هم العنصر الأساسي المشارك في الانتفاضة، تحت قيادة وتوجيه "القيادة الوطنية الموحدة"، والتي كانت عبارة عن اتحاد مجموعة من الفصائل الفلسطينية السياسية تهدف بشكل أساسي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي والحصول على استقلال فلسطين.
وتطورت وسائل وعمليات المقاومة النوعية خلال الانتفاضة، فتدريجيًا تحولت الإضرابات والمظاهرات ورمي الحجارة واستخدام المقاليع إلى هجمات بالسكاكين والأسلحة النارية، وقتْل لعملاء الاحتلال، وأسر وقتل الضباط والجنود الإسرائيليين والمستوطنين.
وأحدثت الانتفاضة ضجة إعلامية كبرى، لاسيما في الإعلام الغربي الذي اهتم بتغطيتها، رغم محاولات الاحتلال التعتيم عليها.