محمد الصبيحي يكتب : في إختيار القيادات القضائية

بداية ارجو ألا يفهم من هذا المقال أن المقصود اسماء اشخاص بعينهم  في مناصب قضائية  وانما هو رأي باتجاه تعزيز الشفافية والمؤسسية  وسيادة القانون . 
السؤال الذي أطرحه : من يحمي القاضي من التدخل أو التأثير عليه في قضائه ومعيشته ؟؟ والجواب المتوقع من أي واحد منا  أن الدستور والقانون وشخصية القاضي هي التي تحميه من التدخلات والضغوط مهما كانت . 
هذا صحيح اذا كانت القيادات القضائية التي تقف خلفه تسانده وتشد أزره وتصنع سياجا متينا دون اختراق نصوص الدستور والقانون التي تكفل استقلال القاضي . 
ومن هنا فان الناس بولاة أمورهم  مثلما هو القضاء بقياداته  ولنا في سلف من القيادات القضائية الاردنية نماذج يضرب بها المثل ويتحدث بها رجال القانون كل يوم وكان ذلك في زمن سلط فيه سيف الاحكام العرفية على كل مؤسسات الدولة ولكنه لم يجرؤ على الاقتراب من القضاء وذلك لهيبة قياداته واستقلالها وابتعادها عن المطامح الشخصية او التجاذبات الوظيفية . 
ان الخطوة الاولى باتجاه تعزيز استقلال القضاء الاردني والعوده به الى العصر الذهبي الذي انقضى برحيل رموزه التاريخية , تكمن في مؤسسية ودقة وشفافية اختيار القيادات القضائية .  ومن هنا فان تقرير اللجنة الملكية لتطوير الجهاز القضائي وتعزير سيادة القانون وضع في  مقدمته توصية  نصها (يضع المجلس القضائي معايير وأسس وشروط انتقاء القيادات  للمناصب القضائية وخصوصا رؤساء المحاكم على أن تراعى الكفاءة القانونية والأدارية فيهم من خلال أصدار المجلس التعليمات اللازمة لذلك )  وحدد البرنامج التنفيذي المدة الزمنية اللازمة لأصدار تلك التعليمات وهي الربع الثاني لعام 2017 الا أن تلك التعليمات لم تصدر الا في شباط 2018 . 
في التعليمات المنشورة في الجريدة الرسمية  حددت الوظيفة القيادية بأنها ( وظيفة رئيس محكمة أو نائب عام أو مدعي عام أول أو ما في حكمها من تلك المنصوص عليها في التشريعات الناظمة للعمل القضائي)  وان ( يتولى أمين عام المجلس القضائي اعداد دليل الوصف الوظيفي للوظائف القضائية يتضمن تحديد المهام الوظيفية وواجباتها ومسؤولية متطلباتها والخبرات العملية والقدرات والمهارات المطلوبة لأشغالها ويرفع الدليل الى المجلس لأقراره ) . 
وحسب المادة 4 \ أ  من التعليمات ( يعلن الامين العام سنويا عن أستقبال طلبات اشغال الوظائف القيادية الشاغرة على الموقع الالكتروني للمجلس ولمدة أسبوع ) ويستقبل الامين العام الطلبات مرفقة بالوثائق المعززة للمهارات والقدرات القيادية ويحصل مقدم الطلب على اشعار يفيد وصول طلبه , فيما تتولى لجنه مشكلة من المجلس القضائي حصر الطلبات المستوفية للشروط واستثناء أي طلبات غير مستوفية من المنافسة , وقد حددت التعليمات المعايير المطلوبة بدقة . 
بعد انتهاء اللجنة من فرز الطلبات وتقييمها تحدد ترتيب المرشحين حسب نتائج التقييم التي حصل عليها كل منهم ويتولى الامين العام التنسيب للمجلس باسماء المرشحين قبل موعد التشكيلات القضائية السنوي . 
لقد جاء أول امتحان لتطبيق تعليمات أختيار القيادات القضائية في التنقلات التي تمت يوم أمس 15\5\2019 وشملت تغييرات في عدد من المناصب القضائية القيادية  والتي قيل انها فاجأت الجهاز القضائي ولم تطرح للتنافسية بين القضاه حسبما نصت التعليمات . 
ان ذلك لا يعني ولا أقصد القول أن تلك التغييرات في القيادات القضائية خاطئة من حيث الجوهر أو يتضمن اعتراضا على كفاءة شخص ما فليست لي معرفة شخصية بغالبيتهم وانما أردت القول أن المؤسسية وسيادة القانون في الدولة المدنية يجب أن تكون المعيار الاول في القرارات  وقد وضع جلالة الملك في الورقة النقاشية السادسة  تعريفا دقيقا للدولة المدنية تحت عنوان ( سيادة القانون عماد الدولة المدنية ) فقال ( الدولة المدنية هي دولة تحتكم الى الدستور والقوانين التي تطبقها على الجميع دون محاباة وهي دولة المؤسسات .... الخ )  وتحت عنوان ( تطوير الجهاز القضائي أساس لتعزيز سيداة القانون ) أشار جلالة الملك الى ضرورة ( تهيئة بنية مؤسسية عصرية للجهاز القضائي  .. وتطوير وتحديث معايير تعتمد الجدارة و الكفاءة في تعيين القضاة ونقلهم وترفيعهم بما يحقق العدالة والشفافية ) .