مســار وادي الحسـا (الروض المعطر)

عمان 1 :  الحسا وادي الروض المعطر، هو الوادي الذي دارت به الأساطير وامتد به الوجود البشري لعصور النشأة الأولى، حيث عبرته الجيوش وفصل بين الممالك لينظم فيه أجمل الأشعار واختلط ماؤه بدماء أوائل الشهداء.

وادي الحسا كان البقعة الجديدة التي حط بها فريق «مسارات» الاستكشافي بقيادة واشراف الفوتوغرافي والباحث عبد الرحيم العرجان..والذي كتب عن تلك الرحلة الآتي: أسرار ممتدة.

كما هي إيفرست حلم المغامرين أعلى جبال المعمورة، فالبحر الميت حلم آخر لأخفض بقاع العالم تحت مستوى البحار -إنْ استغل ورُوّج بذكاء- وهواؤه الأعلى نسبة مشبع بالأوكسجين، وللميت معابر أجملها من جانبه الشرقي ومن أبهاها وادي الحسا ذو الأسرار الممتدة من شعاب روافده حتى الجفر بالبادية في أقصى الشرق، وفاصل طبيعي بين الكرك والطفيلة بعد أن كان حداً بين مملكتي أدوم ومؤاب، وعلى أطرافه يطل جبل التنور المذكور بالقرآن الكريم بقصة الطوفان ونبي الله نوح حين فار، والمذكور بالكتاب المقدس بوادي زارد، ويرجع تاريخ الإنسانية فيه لما يزيد عن سبعة عشر ألف عام (العصر الحجري)، ونبطيّ الأثر بخربة الذريح «معبد ذو الشرى الآلهة النبطية» واللعبان ذو الروافد الهامة، ويتخلله الطريق الملوكي القديم وما فيه من حجارة ميل قد أرشدت العابرين على مدى ألفي عام.

حمامات عفرا

بدأ مسارنا الصعب انطلاقًا من حمامات عفرا المعدنية قرب الطفيلة التي يعود تاريخ خربتها للعصر البرونزي وهي بنفس عصر المناقيد وصراره بالمحيط، وتعني الأرض البيضاء التي لم تطالها قدم، وبالفعل فالصخور مجراها كذلك بين جبال رملية وعرة، وبها أصدر الإمبراطور البيزنطي هرقل لجنوده بصلب وقتل عامله فروة بن عمرو الجذامي لإعلانه إسلامه والتنكيل به على ماء نبعها الحار الذي يصل لخمسين درجة مئوية ليتفسخ جلده ويذبح عليها وهناك أنشد: ألا هل أتى سلمى بأن حليلها. على ماء عفرا فوق إحدى الرواحل.

على ناقةٍ لم يضرب الفحلُ أمَـها. يُشدُّ به أطرافها بالمناجل.

وأورده ياقوت الحموي بكتابه معجم البلدان، حيث أشار لخمسة عشر نبعا يتشكل منها، كما كانت تتبع لجبل بني حميدة حسب التقسيم الإداري العثماني.

سلكنا الطريق الوعر شديد الانحدار معتمدين بمسيرنا على دروب ضيقة فوق صخور وحجارة غير ثابتة، متكئين على عصي الارتكاز الضرورية لمسار فيه من الانزلاقات الكثيرة بمرحلته الأولى والأصعب، معتمدين على الخبرة وتعاون الفريق واليقظة التامة، ووصولًا لشلال مجهود ضمن ديار كانت لبني أسد التي فيها غرق عربان بني الضغيم بزمن عمير وحرار حسب الأسطورة التي أوردها الحميري.

وعند الشلال وعلى صخوره الملساء التي تَدبُ فيها المياه المعدنية الغنية بالمعادن والأملاح من كلوريد وكبريتيد الهيدروجين وغاز الراديوم المشع واليود كانت استراحتنا الأولى بعد هذا الجزء الأصعب من الرحلة بتقسيم الوادي لمراحلٍ ثلاث (العلوي، الأوسط، والسفلي) والمتعارف عليها لدى عشاق المسير والترحال، لنبدل أحذيتنا لأحذيةٍ رملية صخرية ذات النعل الخشن وأفضلها ذات العلامة الصفراء «فيبرام» لشدة تماسكها وثباتها باحذية مائية دون جوارب كون المرحلة القادمة سوف تكون بقلب الوادي ضمن مجرى المياه.

روافد المياه الستة

ومن بين شجيرات الدفلى والسدر التففنا حول مسقط الماء لقلب الوادي وهي المرحلة الواجب تجنبها بفترة الشتاء لضيق المجرى وشدة تدفق المياه القادمة من روافده الستة الرئيسية من أودية الباعجة، البهية، الدميثة، النعضية، الجرف وأبو الضباع، فتصور مقدار المطر المتجمع من عشرات الكيلو مترات الذي قد يأتِيكَ بسيل جارف على حين غرة مع أن مكانك لا شتاء فيه مع ندرة مهارب النجاة وتباعدها.

تكوينات فريدة

ومن هنا تغيرت طبيعة المسير والبيئة لتختلف كلياً بين جبال شامخة بتكوينات جيولوجية متعددة أصبحت كهوفها موطناً للكواسر وأعشاشاً للجوارح ولخلوتها وهدوئها تحط بها بطريق هجرتها بين قارات العالم القديم، ولتعدد حقب التكوين للمجرى وشدة جريان المياه المشبعة بالمعادن والأملاح والتفاوت الحراري والمناخي أصبح للأخدود تفرد لاستقطاب المغامرين والسياحة البيئية بفصل الصيف والذي لا يقل جمالاً وهيبة عن جراند كانيون بمراحل معينة. كان المسير يأخذنا بين جنبات المجرى وخلاله وعبر بحيرات مختلفة الأعماق تشكلت نتيجة انهيارات جانبية وتساقط صخور ضخمة، حُشر بعضها بين صدعيه بعبقرية الطبيعة التي تأبى الثبات وتتغير من فصل إلى آخر، استذكرنا بعبورنا من تحتها قصة صخرة الجرانيت بمتحف لوس انجلوس للفنون ذات 340 طن والتي جلبت من مسافة 170 كم لتكون فوق ممر صناعي كالذي نحن فيه للفنان «مايكل هيدز» المحاكي للطبيعة ومن انصار البيئة بهدف المحافظة عليها وحمايتها من المقالع والمحاجر العشوائية.

وبين مروج الأعشاب والقصيب والبصل البري المتحملة لملوحة الماء والأرض كانت الضفادع تصمت بهدوء مع مرورنا وتعيد نقيق تزاوجها مع ابتعادنا عنها وأحياناً كنا نقع بفخ رخوية الأرض وطينتها، ومن بين الشقوق أعدنا تزودنا بماء النواطف ومن عين الظاهر والليوان الصالحة للشرب، والتي يسميها أهل البادية بالحسو وقد يكون هذا مصدر التسمية الذي اشتق منه اسم الوادي العظيم.

وصلنا مرحلة الجزء السفلي كثيرة التعرج بسبب اختفاء النباتات الأرضية لشدة جريانه وحصوية أرضه وانعدام التربة هناك، حيث تكشف الصخور قواعد جنبات الجبال ومن فوقها تعلق نخيل البر وتمسك بين الشقوق ليصبح مسارنا أكثر انتعاشاً ببرودة المجرى الضيق الرطب، التي تُسحب مياهه قبل نهايته لري مزروعات الغور الصافي، وبذلك نكون قد أنهينا مسارنا البالغ اثنين وثلاثين كيلومترًا بفارق ارتفاع 1283م وعشر درجات حرارة بروعة من الجمال نظم فيها عبد الله بن رواحة وعثمان بن شطيبة والعاملي أجمل الأشعار وأعذبها وذكره مستشرقو وباحثو الغرب.