رئيس وزراء أردني أسبق يوجه انتقادات قاسية للنظام

عمان1:ألقى رئيس الوزراء الأردني الاسبق السياسي العريق عبدالكريم الكباريتي كلمة عميقة في حفل إشهار كتاب الدكتور يوسف القسوس ” بين الجندية والطب…رحلة عمر ومسيرة وطن” في قصر الثقافة الخميس نالت إعجاب كل من إستمع لها، وإنتشرت مقاطع صغيرة عبر اليوتيوب من الكلمة.
ورعى الاحتفال رئيس الوزراء الاسبق الدكتور عبدالسلام المجالي وتحدث به الدكتور عزمي محافظة والدكتور أسعد عبدالرحمن والدكتور رجائي المعشر إضافة إلى المحتفل به الدكتور القسوس، وحضر الاحتفال عدد كبير من الشخصيات السياسية.
وجاء في كلمة الكباريتي : 

بسم الله والحمد لله

والمجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة…

وكل عام وانتم بخير!

وخير المطالع ومبتدأ الكلام … أَتقدم بكل مشاعر الإجلال والإكبار والاحترام للاعزاء الحضور، الاصدقاء الأصادق، وإلى الأحبة نجوى وطارق ورلى ورانية…
والى أول طبيب عسكري – راعي الحفل – ،  صاحب الأثر الابداعي الذي خلده تأسيس الجامعة الأردنية والخدمات الطبية الملكية- صاحب الدولة الأخ الكبير والقيادي القدير أبا سامر- والذي اصطفى خريج كلية الطب الدكتور يوسف القسوس ليعمدهطبيباً جندياً…
ونحن اليوم نسعد بكم كما نسعد بثمار وعطاء وحصاد رحلة عمر في مسيرة وطنٍ عشقه يوسف وحاز فيهعلى جواز مرور الى قلوب الأردنيين، حصاد يتناغم مع حقيقة أن قيمة الأوطان في ميزان التقييم العالمي ترتفع بحجم مصداقيتها ومساحة شفافيتها وآفاق انسانيتها… وهذا ما ساهم في ارتفاع قامة الأردن في وحدة القياس في عهد الحسين رحمه الله…
وقد جاء انثيال ذاكرة يوسف، والتي تردد مرارا في تدوينها، على الصورة التي تميز بها يوسف (الجندي الطبيب) … صورة عبرت عنها سيدة مسنة مريضة كانت راقدة على فراش العافية… تأخر الباشا عن زيارتها صباح احد الأيام فتكدرت واشتكت … وعندما أسرع الباشا بزيارتها معتذرا لحالة طارئة طرأت عليه… فردت عليه: (انت يا دكتور طلتك على المريض مثل طلة الندى على الزهر).

هو ذاك الطبيب الندى، صاحب الذاكرة والمدونة المتحركة، الذي استطاع بحميمية الكلمة والصورة وصف البدايات والمشاهد والخواطر، وذكريات المسيرة المسكونة بصدق العاطفة وإشراقات الأحاسيس الانسانية الدافئة والمتدفقة، لينحت لوحة جدارية تضيء لنا فضاءات القلوب وتكشف عن تضاريس مسيرة النهضة في عهد المغفور له الحسين طيب الله ثراه، الملك الذي احب يوسف .. فيبوح له بقوله (والله يا يوسف لو لم أكن ملكاً لوددت أن اكون طبيباً)…
الباشا الذي رافق جلالته – رحمه الله في رحلة العلاج الى امريكا، وبعد انتهاء الجرعة الأولى من العلاج الكيماوي، يشد جلالته على يده ويقول (انا أَخذت حقي منك، فارجع الى عمان فهناك من هو احوج مني اليك، وستظل دوما من الذين أعتز بهم).
والكتاب يعيدنا الى ما غاب عنا من آثار ابداعية وذكريات انسانية، تدوّن مجموعة الإبداعات الطبية المتألقة، والتي ارتقت بمؤسسة الخدمات الطبية الى مراقي التميز والابداع، والتفوق الطبي على صعيد اقليمي…
وتنثال الذكريات بأنساق من البعد الانساني بالكلمة والصورة يتمازج فيها ما هو انساني بما هو علمي طبي… تقرأ فيها البدايات لأيام المكابدة والصبر والمشقة وجلد المتابعة، منذ ان اضطر والد يوسف أن يبيع داره في المفرق ليتمكن (يوسف) من متابعة دراسته، غارساً فيه روح الكفاح اقتداء بروح (الشيخ عودة القسوس) ومقتديابأول طبيب أردني وهو الدكتور حنا القسوس. ويقرأ عليه وهو المسيحي الأردني بيتاً من شعر الأمام الشافعي قائلا … يا أبني

كن رجلا على الأهوال جلدا

وشيمتك السماحة والوفاء

تلك كانت ثقافة التعايش بين العشائر الأردنية، سماحة ومواطنة صالحة،أساسها تنمية معرفية وروحية، ووفاء للوطن السقف الذي يحتمي به الجميع…
المحطات التي توقف عندها يوسف كثيرة، تقف معه طالباً يصفق لموكب الحسين يوم تتويجه، ومصطهجاً بتعريب الجيش عام 1956 رغم فقدانه فرصة الابتعاث الى لندن في تلك السنة، فكانت جامعة عين شمس المصرية هي بديله لمواصلة مسيرته…
وتلحظ كيف كان عهد الحسين يؤمن ويؤمن التثاقف واستلال المعرفة من منابعها واصولها،فيبتعث يوسف في رحلتي اختصاص الى انجلترا ومن ثم برفقة الرقم النوراني في حياته (نجوى) الى أمريكا… ليعود طبيباً اختصاصياً متميزاً…
محطات كثيرة تستوقفك … حادثة محاولة اغتيال خالد مشعل ووصفه الدقيق لموقف جلالته الشجاع مهدداً بالغاء اتفاقية السلام… ويشرح كيف تمكّن الاطباء الدكتور بسام العكشة والدكتور سامي الربابعة من انعاش المناضل خالد مشعل وقبل وصول الترياق المضاد من اسرائيل وما تلا ذلك من اطلاق سراح الشيخ ياسين رحمه الله…
والمحطة الأخرى هي تفاصيل اجراء العملية للرئيس عرفات – رحمة الله، والتي عندما اشير على الرئيس بالذهاب الى السويد أو فرنسا لاجراء العملية في رأسه رفض واستخار في تلك الليلة .. وفي الصباح يقول ( يا يوسف توكل على الله ) ويقوم الدكتور عادل الشريدة رحمة الله باجراء العملية التي تكللت بالنجاح، بعد أن كان الجميع يتوجسون من نازلةٍ خطيرة لو لم تنجح العملية…
كثيرة تلك المشاهد التي وثقها الطبيب الانسان عن الأردن وهو في مرمى النيران… أو في بناء الانسان …
عرفته لمدة تزيد على الثلاثين عاماً… يبهرك عن بعد، ويستدعي الاحترام والمحبة عن قرب… جندياً باخلاصه الأزلي وايمانه وإصراره على أن يكون لحياته معنى، بمؤهلاته وتفانيه، بقلب يخفق لخفقان القلوب، وطبيباً انسانيته جدول متدفق من العلم والفضائل والايمان بالخير. حكيم انتمى الى الندرة التي نفتقدها، والتي انتمت الى كوكبة اردنية سمعتها تتوهج، ولوحتها ناصعة وشموخها مستحق فلا تبحث عن تلميع، وليست بحاجة الى تعطير ينثر على اسمها، ويوسف حامل وسام الاستحقاق يستحق المديح… كما قال الشاعر شوقي:

رب مدح اذاع في الناس فضلا واتاهم بقدوة ومثال

الأعزاء الحضور:

ان تصور عالم جديد ينشأ في استقلال كامل عما قبله، وهم مخالف لحقيقة الاشياء… فموجبات الاستمرار تتماهى مع موجبات التغيير.
وما أحوجنا اليوم الى ذلك الرصيد من الأكفياء ، القادر على أن يحمل مسؤولية نقلة حضارية ونحن ننتقل من مئوية الى اخرى… وطرد العتمة التي تسربت الى قلوبنا خوفا من اننا نندفع الى ليل طويل نعاني فيه اختلالات (مالية ومائية)، (اقتصادية واجتماعية)، (جيوسياسية وديمغرافية)… و(جائحة جامحة) تفترس من صحة الوطن والمواطن… وتستدعي مشاعر وكأننا هرمنا ووصلنا الى مرحلة لم نعد قادرين معها على التقدم، واننا نعاني من حركة تقهقرية تنذر بانقطاع التيار المتصل المتدفق بما  جهدت به الأجيال المتعاقبة في العمل على بناء الوطن.
وبالتأكيد ليس المقصود هنا الجزع اللاعقلاني… ولا بصدد إطلاق صيحات الويل والثبور،لما آلت اليه الأمور، فجيلنا لا يخشىالتغيير ولا يفزع من وتيرته وتجديد شبابه… ولكن من حقه أن يقلق (قلقاً مولعاً بحب الوطن) الوطن القادر على الامساك بالمستقبل… الوطن النصير للمشاركة وللتنوع المتناسق والموحد، الرافض للتعصب وصعود العنف والنبذ واليأس… الوطن الذي لا يقبل التسليم بدخول المئوية الثانية على مركب نحن على متنه … هائم على وجهه… بلا طريق ولا مقصد ولا رؤية أو بوصلة… مركبٍ في بحر اقليم هائج… متكلين فيها على حسن النوايا – حتى لا أقول اتفاق النوايا، والثرثرة على ضفاف الحقيقة وأروقة المؤتمرات… متعامين عن واقع الحال، متغافلين عن أوحال الأحوال، مسلِّمين أمرنا للزمن ووعد الخير والقادم الواعد… فالزمن ليس حليفنا وانما هو قاضٍ يحاكمنا .. فلابد من صحوة اساسها العمل لا التغني بالأمل… لاستنباط الحلول التي يمكن وضعها موضع التنفيذ على نحو منهجي، وليس اصدارات لغايات ابراء الذمة.. حتى نصارع اليأس بالعمل ، ولا نصرع العمل والأمل باليأس…
والى ذلك الحين استودعكم بأماني الخير وكل عام وانت بخير…
الشكر اجزله وأوفاه  للدكتور يوسف باشا وذاكرته التي أحيت ذاكرتنا ولو بعد حين… عشتم وعاش الأردن
وأكرر المحبة والاجلال والاحترام ..والســـــــــــــــــــلام …

عبدالكريم الكباريتي